الحلقة السابعة والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]
قال الله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: ١٠٢] !!
الصلاة .. الصلاة .. عمود الإسلام وعبادته الكُبرى؛ التي لا ينقطع المسلم عن أدائها -لا في سلم ولا في حرب- إلا بزوال عقله؛ أو موته !!
وقد شُرِعت لنا صلاة الخوف -عند الاصطفاف لقتال العدو؛ أو الخوف من هجومه المفاجئ- نُصلِّيها بصفة معينة؛ مع بقاء أركانها وواجباتها؛ كما جاء في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ ..} الآية !!
وأمّا عند التحام الصفوف؛ فتؤدى صلاة الخوف بأي شكل: ماشين، أو راكبين، على أي هيئة نستطيعها؛ ولو بالإيماء، أو إلى غير جهة القبلة، قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: ٢٣٩] !!
ونحن نصلي كذلك عند الكسوف والخسوف؛ وعند الاستسقاء؛ وفي العيدين؛ وفي استخارتنا لله تعالى، فضلا عن الصلوات الخمس المفروضة، وصلوات النوافل .. إنها الصلاة التي فرضها الله تعالى من فوق سبع سماوات !!
وعليه، فإن استمرار أداء الصلاة حتى في القتال -الذي هو حِراك تنتظمه مصفوفة من القيم؛ التي شرعها الله تعالى؛ وشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم-، أقول استمرار أداء الصلاة حتى في القتال هو الضمان لتمسك المسلمين بهذه القيم في التعامل مع الأعداء، سواء كان ذلك في ساحات القتال؛ أو غير ذلك من التعاملات ذات الصلة بالقتال -كما سيأتي بيان بعضها- لِيَسْمُوَ القتال في الإسلام إلى المُثُل العليا التي أرادها الله تعالى له !!
وفي المقابل، فإن المارقين من الإسلام؛ كالحوثيين الاثني عشرية الرافضة أذناب إيران الباطنية -الذين يكررون استهداف البلد الحرام؛ ونسوا أن بكة تبك الجبابرة بكا- وكذلك الصليبيون الحاقدون؛ واليهود الغاصبون؛ جميع هؤلاء عقائدهم العسكرية فاسدة في مقاصدها؛ وهمجية بربرية في عملياتها !!
والسؤال الذي يطرح نفسه:
ما هي قيم القتال في الإسلام؛ التي يحرص المسلمون على التمسك بها؛ لشدة اتصالهم بربهم بالصلاة؛ التي يؤدونها حتى أثناء القتال ؟!!
الجواب:
هذا الموضوع يحتاج إلى مختصين عسكريين ليوفوه حقه من البحث والدراسة، حيث قد غطى الإسلام جميع ما تطرحه كليات الحرب في العالم عن الحرب -سواء أُسسه التسعة؛ أو عملياته الستة؛ أو قواعد الاشتباك- غطاها الإسلام كلها بمنظوره الرباني المُحكم، بل زاد عليها سبحانه بضمان النصر لمن آمن به وانقاد لمنهجه القويم في القتال، لكن حسبي هنا أن أتأمل في بعض النصوص الشرعية؛ لأُبرِز ثلاث قيم عظيمة؛ وجّه الله تعالى المسلمين ليأخذوا بها في قتال أعدائهم، من ذلك:
أولا:
طاعة الله تعالى بالإعداد للقتال، وذلك باتخاذ كافة الأسباب المشروعة لذلك:
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: ٦٠]، قال أهل التفسير: “وأعدُّوا – يا معشر المسلمين – لمواجهة أعدائكم كل ما تقدرون عليه مِن عدد وعدة، لتُدْخلوا بذلك الرهبة في قلوب أعداء الله وأعدائكم المتربصين بكم، وتخيفوا آخرين لا تظهر لكم عداوتهم الآن، لكن الله يعلمهم ويعلم ما يضمرونه”، وقوله تعالى في الآية -{وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}- تضمنت -قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة- ما يسمى اليوم بنظرية الردع !!
هذا، وإن قول الله تعالى -{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم}- أي اتخاذ ما نستطيع من الأسباب في الإعداد، ثم وعده تعالى لنا بالنصر إن نحن نصرنا دينه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]، أقول: هذان التوجيهان يبثّان في نفوس المؤمنين الطمأنينة وعدم الخوف من الأعداء -إن كان قصُر إعدادنا عمّا عند العدو من عدد وعتاد- فالله تعالى القوي معنا؛ ولا غالب له سبحانه، قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: ١٦٠] !!
ثانيا:
طاعة الله تعالى فيما أمر به من أخلاقيات القتال في الإسلام؛ والبعد عن المناهي في الحرب:
قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: ١٩٠]، قال أهل التفسير: “وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله” !!
وقد عاصرنا وسمعنا المذابح والمجازر البربرية؛ التي قامت بها إيران الرافضية؛ وأذنابها الباطنيون في سوريا؛ والعراق؛ واليمن؛ تقتيلا وإبادة لأهل السنة، وكذلك ما قام به الكيان الغاصب في غزة، وقد ذاقت البشرية بسببهم أنواع الدمار والخراب في حروب طاحنة؛ منذ فجر الإسلام وإلى يوم الناس هذا !!
ثالثا:
طاعة الله تعالى في حث المقاتلين على البُعد عن المعاصي والذنوب:
قال تعالى للمؤمنين في غزوة بدر: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: ٤٦] !!
كتب الفاروق إلى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- في رسالة طويلة: (أمّا بعد: فإني آمرك، ومن معك من الأجناد، بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العُدّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك، ومن معك، أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ..) [العقد الفريد ١/١١٧] !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه قيم القتال الربانية الصحيحة !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع الرابع عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الرابعة عشرة: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا}[هود: ١١٢] .. بصوت القارئ الشيخ (علي الحذيفي) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الخامسة عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..