الحلقة الحادية والستون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]
قال الله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ} [يس: ٦٧]، قال القاسمي في تفسيره: “والمراد أنهم بكفرهم ونقضهم ما عُهِد إليهم، أحِقّاءُ بأن يُفْعَلَ بهم ذلك. لَكِنّا لم نفعل لشمول الرحمة، واقْتِضاءً لحكمة إمهالهم”[محاسن التأويل (٨/ ١٩٣)] !!
لابد أن يستشعر المسلم -حين يتلو كتاب الله تعالى- أن هذا القرآن العظيم لم ينزل لمجرد نيل الأجر وتحصيل الحسنات، بل نزل في المقام الأول ليكون هدايةً للبشرية !!
نعمْ، قد لا تكون الآية التي يتلوها المسلم؛ تمسه مباشرة بأمر أو نهي؛ كالآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ}-، لكنه لو تدبرها لوجدها آية شديدة في وعيدها؛ ولَأحدثت في نفسه الخوف من الله؛ ولَحرِص على تبليغها للمشركين، إذ الآية من شدتها تبيّن أن الله تعالى قادر -لو شاء سبحانه- على تغيير الخِلقة التي خُلِق عليها الإنسان المشرك -من المشي إلى الأمام أو الخلف- بأن يمسخ خِلقته فلا يستطيع التحرك من مكانه .. نعوذ بالله من غضب الله وسخطه !!
لكن الأدهى من إهمال بعض المسلمين لتدبر آيات العذاب؛ وأنواعه الكثيرة؛ هو إعراض من وجّه الله تعالى الخطاب -بآيات العذاب- إليهم بالدرجة الأولى؛ وهم المشركون -ومنهم الحوثة الإرهابيون-، إذ جميع طوائف الضلال ينقضون العهود والمواثيق التي أخذها الله عليهم؛ ويفسدون في الأرض؛ ويستحقون لذلك ألوان العذاب المهين !!
وفي الحقيقة فإن عرْض آيات العذاب والوعيد على أهل الشرك والضلال سُنّة نبوية، فهذا عتبة بن ربيعة -من كفار مكة- لما أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ عارضا عليه بعض الأمور الدنيوية؛ على أن يترك دعوته لو قَبِلها، فقرأ عليه صلى الله عليه وسلم -بعد أن فرغ عتبة من كلامه- صدر سورة فُصِّلت؛ حتى وصل إلى قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: ١٣]، عندها أمسك عُتبة على فَمِه؛ وناشَدَه الرَّحِم أن يكُفَّ [السيرة النبوية لابن كثير (١/ ٥٠٢)] .. قال ذلك خوفا من نزول العذاب على مشركي مكة !!
وعليه، فإن من دواعي كتابتي لهذا المقال؛ ظاهرة انعدام الخوف من الله تعالى لدى المشركين في هذا الزمان؛ وكأن الله تعالى غير موجود، سلفهم في ذلك الدهريون؛ الذين أنكروا أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم، قال تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: ٢٤]، فوجب علينا أهل الإسلام أن ننهج نهج الكتاب والسنة في تخويف المشركين من عذاب الله تعالى وعقابه !!
وحتى تبقى الرهبة من ألوان عذاب الله تعالى؛ التي توعد بها المشركين؛ حاضرة في النفوس؛ قرّع ووّبخ صلى الله عليه وسلم الموتى من المشركين، في الحديث: أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَرَكَ قَتلى بَدرٍ ثَلاثًا، ثُمَّ أتاهم فقامَ عليهم فناداهم، فقال: (يا أبا جَهلِ بنَ هِشامٍ، يا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ، يا عُتبةَ بنَ رَبيعةَ، يا شيبةَ بنَ رَبيعةَ، أليسَ قد وجَدتُم ما وعَدَ رَبُّكُم حَقًّا؟ فإنِّي قد وجَدتُ ما وعَدَني رَبِّي حَقًّا)، فسَمِعَ عُمَرُ قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: “يا رَسولَ اللهِ، كيفَ يَسمَعوا وأنَّى يُجيبوا وقد جَيَّفوا؟” قال: (والذي نَفسي بيَدِه ما أنتُم بأسمَعَ لِما أقولُ منهم، ولَكِنَّهُم لا يَقدِرونَ أن يُجيبوا) [رواه مسلم (٢٨٧٤)] !!
والسؤال الذي يطرح نفسه:
ما أنواع وصور العذاب المهين الذي توعد الله تعالى بها المشركين؛ والتي ينبغي أن تكون جزءا من المادة الإعلامية الموجهة لهم في خطب الجمعة؛ وفي منصات التواصل؛ لعلّها تصل إلى مسامعهم فيتركوا شركهم وباطلهم وفسادهم وإرهابهم ؟
الجواب:
كما بيّن الله تعالى لنا في كتابه الكريم; وفي أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم؛ من أخبار يوم القيامة وأهوالها -كبعث وحشر الناس جميعا، ونصب الصراط، وغير ذلك من الأمور الغيبية العظيمة التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى-؛ كذلك بيّن لنا سبحانه أنه قادر -لو شاء- أن يُنزِّل على المشركين ألوانا مخيفة من العذاب -في هذه الدنيا-؛ ومنهم الحوثة الإرهابيون-، من ذلك:
قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: ٤٦]، قال أهل التفسير: “قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن أذهب الله سمعكم فأصمَّكم، وذهب بأبصاركم فأعماكم، وطبع على قلوبكم فأصبحتم لا تفقهون قولا أيُّ إله غير الله جل وعلا يقدر على ردِّ ذلك لكم؟! انظر -أيها الرسول- كيف ننوِّع لهم الحجج، ثم هم بعد ذلك يعرضون عن التذكر والاعتبار؟” !!
فهل يعتبر الحوثة الإرهابيون؛ وغيرهم من المشركين بهذا التهديد الرباني المخيف ؟!!
وقال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: ٦٥]، قال أهل التفسير: “قل -أيها الرسول-: الله عز وجل هو القادر وحده على أن يرسل عليكم عذابًا مِن فوقكم كالرَّجْم أو الطوفان، وما أشبه ذلك، أو من تحت أرجلكم كالزلازل والخسف، أو يخلط أمركم عليكم فتكونوا فرقًا متناحرة يقتل بعضكم بعضًا. انظر -أيها الرسول- كيف نُنوِّع حججنا الواضحات لهؤلاء المشركين لعلهم يفهمون فيعتبروا؟” !!
فهل يعتبر الحوثة الإرهابيون؛ وغيرهم من المشركين بهذا التهديد الرباني المخيف ؟!!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه قدرته ومشيئته المطلقتين في إنزال ما شاء من عذاب على المشركين؛ سواء في الدنيا أو الآخرة !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع الثامن عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الثامنة عشرة: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: ١٠٥].. بصوت القارئ الشيخ (أحمد العجمي) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة التاسعة عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..