التأمل المفيد (٤٧٩) 

الحلقة الستون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]

حكى لنا القرآن الكريم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: ١١٢]، قال الإمام السعدي: “{قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ}؛ أي: بيننا وبين القوم الكافرين؛ فاستجاب الله هذا الدعاء، وحكم بينهم في الدنيا قبل الآخرة بما عاقب الله به الكافرين من وقعة بدر وغيرها. {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}؛ أي: نسأل ربنا الرحمن ونستعين به على ما تصفون من قولكم: سنظهر عليكم، وسيضمحل دينكم! فنحن في هذا لا نعجب بأنفسنا، ولا نتكل على حولنا وقوتنا، وإنما نستعين بالرحمن الذي ناصية كل مخلوق بيده، ونرجوه أن يتم ما استعناه به من رحمته. وقد فعل ولله الحمد” [تفسير السعدي (٥٣٢)] !

الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}؛ تبيّن للمسلمين المنهج الحق في أهمية اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء عند مواجهة الأعداء -بعد أخذ كافة الأسباب؛ ثم التوكل عليه سبحانه-، كحالنا اليوم في مواجهة الحوثيين الاثني عشرية الرافضة أذناب إيران الباطنية؛ الذين قال فيهم ‏مفتي عام المملكة سماحة الشيخ صالح الفوزان: “استهداف الميليشيا الحوثية الإرهابية للمنشآت المدنية؛ وإزهاق الأرواح المعصومة؛ والاعتداء على قاصدي المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ من أعظم الجرائم التي توعّد الله مرتكبيها بالعذاب الأليم”[كافة وكالات الأنباء في بلاد الحرمين] !!

وعليه، فسيدور مقالي عن المنهج الحق في القتال -الذي تضمنته آية التأمل- حول محورين اثنين: النصر؛ والدعاء، فأقول وبالله التوفيق:

المحور الأول: حقيقتان عظيمتان من حقائق النصر:

الحقيقة الأولى:

النصر لا يأتي إلا من عند الله تعالى:

النصر لا يأتي إلا من عند الله تعالى، وقد كرر القرآن الكريم هذه الحقيقة -{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}- في آيتين كريمتين، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: ١٢٦]، وقال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: ١٠]، ولزيادة التأكيد على أن النصر لا يأتي إلا من عنده سبحانه؛ بيّن للمؤمنين -في الآيتين السابقتين- أن الإمداد الذي أمدهم به -وهم الملائكة في غزوة بدر- ما هو إلا بشارة لهم بالنصر؛ لتسكن به قلوبهم، وإلا فإن النصر منه وحده سبحانه؛ إذ هو من أنزل الملائكة لنصرتهم !!

الحقيقة الثانية:

ولأن النصر لا يأتي إلا من عند الله تعالى؛ فلابد إذن من التوكل عليه؛ بعد الإعداد واتخاذ كافة الأسباب المادية المستطاعة:

قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: ١٦٠] !!

قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، حتى يدرك المسلمون وجوب التوكل على الله في القتال؛ بيّن لهم سبحانه أنه ينصر من يشاء؛ ويخذل من يشاء؛ بمقتضى حكمته وعلمه، وهي سنة ماضية لا تتخلف؛ ولا تحابي أحدا، ولتوضيح ذلك أعرض لغزوتين من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم:

نَصَر الله المؤمنين في بدر -وهم قِلة- بعد أن اتخذوا كافة الأسباب؛ وتوكلوا على الله تعالى حق التوكل !!

 أمّا يوم حنين -ولكثرة عدد جيش المسلمين يومئذ؛ اثنا عشر ألفا- فقد دفعت تلك الكثرة البعض من الصحابة إلى القول: “لن نُغلب اليوم من قِلة”[زاد المعاد (٣/ ١٠١)]، وأعجبتهم كثرتهم؛ ولم تتوكل هذه القِلة على الله حق التوكل -فجرت عليهم سنة الله -{وَإِن يَخْذُلْكُمْ}- فخُذِلوا وهُزِموا في بادئ الأمر، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: ٢٥]، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت يوم حنين؛ وثبت معه قِلة من أصحابه -رضوان الله عليهم-، ثم أنزل الله سكينته على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وأيده بنصره !!

ولا شك ولا ريب؛ أن غزوة حنين درس عظيم للمسلمين على مر القرون؛ بضرورة التوكل على الله تعالى حق التوكل في قتال أعدائهم؛ بعد اتخاذ كافة الأسباب المادية المستطاعة !!

المحور الثاني: الدعاء:

حكى لنا القرآن الكريم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: ١١٢] !!

جمع صلى الله عليه وسلم في دعائه على أعدائه -في الآية الكريمة- بين أمرين:

الأمر الأول: طلب النصر من الله تعالى -{رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ}-، والأمر الثاني بيان باطل ما اتصف به كفار مكة من كفر وشرك -{وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}-، وأيم الله؛ لا يجمع المسلمون بين هذين الأمرين عند قتال أعدائهم: التوكل على الله تعالى وطلب النصر منه؛ بعد اتخاذ كافة الأسباب؛ وبيان بطلان ما عليه أعداؤهم من كفر وشرك؛ إلا تنزّل عليهم النصر؛ وانهزم واندحر الاعداء !!

وكان من شدة إلحاحه -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء يوم بدر أن قال: (اللَّهمَّ إنَّكَ إنْ تُهلِكْ هذهِ العِصابةَ مِن أهلِ الإسلامِ، فلا تُعْبَدُ في الأرضِ أبدًا) [رواه مسلم (١٧٦٣)]، يستنزل صلى الله عليه وسلم نصر الله؛ ببيان خطر الكافرين على دين الإسلام لو انتصروا !!

واليوم؛ والمؤمنون يواجهون الحوثة الاثني عشرية الرافضة أذناب إيران الباطنية؛ نرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى -وقد وعد سبحانه بنصر المؤمنين، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: ٤٧]- أن ينصرنا عليهم نصرا مؤزرا يشفي به صدور المؤمنين !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه حقائق النصر؛ وأهمية الدعاء لاستنزال نصر الله تعالى بعد اتخاذ كافة الأسباب المشروعة؛ ثم التوكل عليه سبحانه !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع السابع عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة السابعة عشرة: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: ٥].. بصوت القارئ الشيخ (محمد المنشاوي) ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الثامنة عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..