الحلقة الثانية والستون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]
قال الله تعالى ردًا على المشركين الذين جعلوا له البنات ولهم البنين: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ} [النجم: ٢٢]، قال الإمام السعدي: “{تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}؛ أي: ظالمة جائرة. وأي ظلم أعظم من قسمة تقتضي تفضيل العبد المخلوق على الخالق؟! تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا” [تفسير السعدي (٨١٩)] !!
الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}؛ أخبرت عن أعظم انحراف عقدي تمارسه جميع طوائف الكفر والشرك والضلال -خلال تاريخ البشرية الطويل؛ وإلى يوم الناس هذا- وهي القِسمة الجائرة؛ بتفضيل المخلوق على الخالق العظيم، إذ لم ينحصر هذا الانحراف على جعلهم الذكور التي يرضونها لهم؛ وجعلهم البنات التي لا يرضونها لله، قال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ} [النجم: ٢١]، وإنما مس هذ الانحراف كافة مجالات حياة الإنسان -العقائدية والتعبدية وفي التشريعات-، ولبيان ذلك أقول وبالله التوفيق !!
أولا: تفضيل المخلوق على الخالق العظيم في العقائد والعبادات:
من ذلك: القِسمة الجائرة الظالمة التي قسمها كفار مكة بين الله تعالى وبين أصنامهم المخلوقة -حين أحبوا عبادة الأصنام أكثر من حبهم لله؛ فأورثهم ذلك الحب الشرك بالله-، حتى صارت الأصنام الخرساء أسمَعَ -في اعتقادهم- لعبادتهم ودعائهم من الله تعالى، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: ٣]، ومن شدة عبادتهم للأصنام؛ ملأوا الكعبة بها، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب؛ فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: ٨١] [رواه البخاري (٢٤٧٨)] !!
ومن ذلك: القِسمة الجائرة الظالمة التي قسمها النصارى؛ بين الله الخالق العظيم وبين عيسى المخلوق عليه السلام -حين أحبوا عيسى وغلوا فيه أكثر من حبهم لله؛ فأورثهم ذلك الحب الشرك بالله-، قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ} [النساء: ١٧١]، وقد فضّل النصارى عيسى بن مريم عليه السلام -المخلوق- على خالقه الله العظيم؛ حتى صار اسمه يجري على ألسنتهم في حديثهم؛ وفي كتاباتهم؛ وحتى في أفلامهم، وذلك بالرغم من زعمهم بوجود (الآب) الذي هو -في عقيدتهم- أعظم من عيسى الابن، تعالى الله عمّا يقول الكافرون علوا كبيرا !!
وبالرغم من تحذير نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم من الغلو بقوله: (لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه) [روه البخاري (٣٤٤٥)]؛ إلا أن طوائف ممّن ينتسبون إلى الإسلام قد ضلوا وجاروا وظلموا في القِسمة بين الخالق العظيم وبين آل البيت المخلوقين -حين أحبوا آل البيت وغلوا فيهم أكثر من حبهم لله؛ فأورثهم ذلك الحب الشرك بالله-، منهم الحوثيون الاثنا عشرية الرافضة أذناب إيران الباطنية؛ الذين جعلوا عقيدة الإمامة -الولاء لآل البيت- ركن الدين الأعظم؛ يوالون فيه ويعادون فيه؛ حتى غدوا من أخطر الميليشيات الإرهابية في عصرنا !!
وكذلك قسّم غلاة الصوفية قِسمة ظالمة جائرة بين الله تعالى وبين أقطابهم بسبب الغلو، قال التجاني الصوفي: “إن الله مَلَّكَهُمْ الخلافة العظمى، واستخلفهم على مملكته تفويضا عاما أن يفعلوا في المملكة كل ما يريدون، وملَّكَهم الله كلمة التكوين: متى قالوا للشيء: كن، كان من حينه .. فلا يستعصي عليهم شيء في الوجود” انتهى من [ “جواهر المعاني” (2/76-77)]
ثانيا: تفضيل المخلوق على الخالق العظيم في التشريعات:
ضرب كفار مكة مثلا قبيحا في القِسمة الظالمة الجائرة في التشريعات بين الله تعالى وبين أصنامهم؛ سطرها لنا القرآن الكريم، قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام: ١٣٦]، قال الإمام البغوي: “كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام انفقوه على الأصنام وخدمها، فان سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله” [معالم التنزيل (٢/ ١٦٢)] !!
لكن العلمانية المتوحشة في عصرنا؛ قسمت قِسمة جائرة في التشريعات أقبح من قِسمة قريش، إذ في حين جعلت قريش لله نصيبا من تشريعها وجعلت للأصنام نصيبا؛ نحّت العلمانية -في الحضارة المادية- التشريعات الربانية من حياة الناس بالكلية !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه أعظم انحراف لدى المِلل والفِرق الضالة؛ وهو تفضيل المخلوق على الخالق العظيم في مناحي الحياة كلها !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع التاسع عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة التاسعة عشرة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: ٤٣] .. بصوت القارئ الشيخ (أحمد العجمي) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة العشرون لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..