التأمل المفيد (٤٧٧) 

الحلقة الثامنة والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]

قال الله تعالى -حاكيا دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه-: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم: ٤٣]، قال أهل التفسير: “يا أبت، إن الله أعطاني من العلم ما لم يعطك، فاقبل مني، واتبعني إلى ما أدعوك إليه، أرشدك إلى الطريق السوي الذي لا تضلُّ فيه” !!

هذا النداء من خليل الله تعالى إبراهيم عليه السلام لأبيه -مبينا له الضرورة القصوى لاتِّباع الوحي المطهر-، هذا النداء هو المنهج الرباني الحق في دعوة غير المسلمين؛ الذي أكد عليه القرآن في كثير من آياته، قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ۚ} [الأنبياء: ٤٥]، وقال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} [الأنعام: ١٩]، قال أهل التفسير في معنى قول الله تعالى: {وَمَن بَلَغَ}: “وأنذر به مَن وصل إليه -أي القرآن- من الأمم”، وقال تعالى: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} [النمل: ٩٢] !!

وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إسماع الناس القرآن الكريم، قال للناس بالموقف -يعني في موسم الحج-: (ألا رجل يحملني إلى قومه ؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي) [رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٤٧)] !!

وإنّ ممّا دعاني إلى كتابة هذا المقال هو انبهار أفراد الحضارات المادية بما وصلوا إليه من تقدّم في شتى العلوم المادية المختلفة؛ وكذلك انبهارهم بما نهلوا من علوم الفلاسفة القُدامى والمعاصرين؛ ممّا جعلهم يتيهون في ظلمات الفكر الفلسفي المدمر الخطير، مع جهلهم الكبير بما يحتويه القرآن الكريم والسنة المطهرة من علوم هي: الحق والأعظم والأهم والأرقى من بين كافة العلوم الأخرى !!

والمقال لن يكون دعوة مباشرة لأفراد الحضارات المادية؛ بطرح معنى أركان الإسلام، وإنما هو حديث يهدف إلى زعزعة انبهارهم بتقدمهم الكبير في العلوم المادية؛ حين يرون الفارق الكبير بين علومهم المادية؛ وفلسفاتهم الفكرية؛ وبين علوم نزلت من خالقهم وخالقنا الله العليم الحكيم !!

وسأسلك في كتابة المقال مسلك الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}؛ بتوجيه نداء لأفراد ومجتمعات الحضارات المادية:

اعلموا جميعا أن لدينا من العلم النافع -من خالق الكون سبحانه- ما ليس عندكم، وهو العلم الذي يبشر بسعادة الدنيا والآخرة؛ وينذر بالشقاء في الدنيا والآخرة لمن رفضه، فاتَّبعونا نهدكم صراطا سويا !!

واعلموا أن هذا النداء المُجمل عن العلم النافع الذي لدينا؛ نزلت تفاصيله وحيا على خاتم النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم !!

يا أفراد ومجتمعات الحضارات المادية: إن من أعظم ما لدينا من العلم النافع -من خالقنا؛ والذي سيهديكم إلى الصراط السوي- هو معرفة الغاية من خلقكم ووجودكم !!

واعلموا أن الفلسفات المنحرفة في حضارتكم؛ التي تتحدث عن الغاية من وجود الإنسان على هذه الأرض كثيرة:

منها: الفلسفة الوجودية: (Existentialism)، وهي فلسفة لا ترى أن للإنسان غاية من وجوده، وأنه هو من يحدد غايته لنفسه بعد وجوده، وكذلك لا وزن للدين في هذه الفلسفة المنحرفة !!

ومنها: فلسفة الاستمتاع:(Hedonism) والتي ترى أن الغاية من وجود الإنسان هو الاستمتاع بأكبر قدر من المُتع: الأكل؛ والجنس؛ والسفر؛ وغير ذلك من المُتع، وكذلك لا وزن للدين في هذه الفلسفة المنحرفة !!

ومنها: الفلسفة البيئية العميقة (Deep Ecology)، والتي ترى أن الإنسان جزء من الطبيعة، وأن غايته في الحياة هو حماية الأرض والكائنات فيها، وكذلك لا وزن للدين في هذه الفلسفة المنحرفة !!

ومنها: الفلسفة المسيحية؛ وما حصل فيها من تحريف، والتي أرى أنها السبب الرئيس في انحراف المجتمعات المادية؛ وتبنيها الفلسفات الهدامة؛ بسبب عقائدهم الشركية؛ وطقوسهم المخزية، من ذلك: قراءة الكاهن -في صلاة النصارى- على رغيف من خبز وكأس من خمر؛ ليستحيل هذا الخبز -بالقراءة عليه زعموا- إلى جسد إلههم عيسى؛ والخمر إلى دمه .. ثم يُطعِم الكاهن الحضور في الكنيسة من هذا الخبز وذلك الخمر؛ ليتباركوا بأكل جسد الإله وشرب دمه؛ تعالى الله عمّا يقول ويفعل الكافرون علوا كبيرا !!

أمّا دين الإسلام العظيم فقد حدد الغاية من وجود الإنس والجن:

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦] !!

بهذا الإعلان الرباني عن غاية خلق الإنسان -وأنها العبودية لله تعالى- يتحرر الإنسان من شتى العبوديات التي نسجها؛ ولا يزال ينسجها حثالة من الفلاسفة؛ لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا؛ ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا !!

ورحم الله تعالى العلامة حافظ الحكمي؛ الذي بين في أبيات معدودة -في كتابه [معارج القبول (١/٢٨)]- الغاية من خلق الإنسان؛ فقال:

اعلم بأن الله جل وعلا

لم يترك الخلق سدى وهملا

بل خلق الخلق ليعبدوه

وبالإلهية يفردوه

أخرج فيما قد مضى من ظهر

آدم ذريته كالذر

وأخذ العهد عليهم أنه

لا رب معبود بحق غيره

وبعد هذا رسله قد أرسلا

لهم وبالحق الكتاب أنزلا

لكي بذا العهد يذكروهم

وينذروهم ويبشروهم

كي لا يكون حجة للناس بل

لله أعلى حجة عز وجل

فمن يصدقهم بلا شقاق

فقد وفى بذلك الميثاق

وذاك ناج من عذاب النار

وذلك الوارث عقبى الدار

ومن بهم وبالكتاب كذبا

ولازم الإعراض عنه والإبا

فذاك ناقض كلا العهدين

مستوجب للخزي في الدارين

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه المنهج الحق في دعوة غير المسلمين؛ وذلك بإبلاغهم بالضرورة القصوى لاتِّباع الوحي المطهر !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع الخامس عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الخامسة عشرة: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم: ٨].. بصوت القارئ الشيخ (أحمد العجمي) ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة السادسة عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..