التأمل المفيد (٤٧٨) 

الحلقة التاسعة والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]

قال الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: ٥] !!

دلت الآية الكريمة على وجوب إلحاق الإنسان في النَسَب إلى أبيه، وقد استجاب المؤمنون لتوجيهات القرآن الكريم في ذلك، لكن الحضارات المادية -التي تتفنن في إهانة المرأة- ذهبت إلى ما هو أشنع من التبني بمراحل، حيث ألغت نَسَب المرأة الثابت لأبيها؛ لِتُلحِقها بنَسَب زوجها، وسبب ذلك موروثهم الثقافي الجاهلي عن المرأة، فهي -حسب قانون (Coverture) الذي تبنوه عام ١٢٠٠ من الميلاد- كالسلعة مُلْكا لأبيها، وبعد الزواج تصبح مُلْكا لزوجها، وتأخذ نَسَبه .. والأعجب استمرار هذا الأمر إلى يوم الناس هذا؛ بالرغم من إلغاء هذا القانون عام ١٩٧٠ من الميلاد !!

وفي الحقيقة أن إلغاء نَسَب المرأة الحقيقي؛ وإلحاقه بنَسَب زوجها؛ ما هو إلا خرزة واحدة قد انفرطت من بين خرزات مسبحة حقوقها ودواعي فطرتها -كما سيأتي بيانه-، حتى باتت المرأة تعيش حياة الخوف وفقدان الاطمئنان الذي حباها خالقها العظيم؛ في ظل تشريعاته الربانية الحكيمة !!

وفيما يلي أعرض لبعض محطات خط امتهان المرأة في الحضارات المادية، فأقول وبالله التوفيق:

أولا:

ترسيخ مفهوم العداوة بين الرجل والمرأة:

من أخطر المقولات الرائجة في ثقافة الحضارة الغربية والتي رسّخت مفهوم العداوة بين الرجل والمرأة ما قالته الكاتبة الأمريكية اليهودية روبن مورغان -وهي من أبرز قيادات الحركة النسوية الراديكالية في أمريكا-: “الزواج هو مؤسسة تم اختراعها للحفاظ على سيطرة الرجل على المرأة، تماماً مثلما اختُرِعت العبودية للحفاظ على سيطرة الأبيض على الأسود” !!

وعليه، فقد صارت المرأة تنظر -في تلك الحضارة البئيسة- إلى أن الخلافات مع زوجها إنما هو عنف ذكوري، وإذا غار عليها فهو سلوك ينم عن حبه للسيطرة !!

أمّا في ديننا الإسلامي العظيم، فقد جعل الله تعالى الرجل سكنا للمرأة؛ والمرأة سكنا للرجل، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١] !!

ثانيا:

نزع الحياء من النفوس:

وهنا يأتي دور الجامعات -في الحضارات المادية- لتنزع الحياء من النفوس؛ بأطروحات علماء النفس المخزية؛ التي رفضت تزكية النفس الإنسانية عن طريق منهج خالقها العليم الحكيم؛ وراحت تطلق المصطلحات المُنفِّرة من الحياء: فهو تارة عقد نفسية؛ وتارة أخرى كبت جنسي؛ وأنه تربية متخلفة، ثم تأتي أفلام هوليوود لتُجهِز على البقية الباقية من الحياء بتصوير الفتاة الحييّة؛ مريضة نفسيا؛ ومنطوية؛ ومعقدة، حيث تقوم البطلة في الفلم -المتحررة؛ منزوعة الحياء- لتنقذها من هذه العُقد النفسية؛ وتدفعها إلى التبرج؛ وشرب الخمور؛ وحضور السهرات المختلطة الماجنة !!

أمّا الإسلام العظيم فقد أولى الحياء اهتماما كبيرا؛ حتى قال صلى الله عليه وسلم: (الحَياءُ لا يَأتي إلَّا بخَير) [رواه البخاري (٦١١٧)]، والحياء في الإسلام ليس عادة اجتماعية؛ بل هو جهاز إنذار فِطري خلقه الله في الإنسان ليحميه من الوقوع في أنواع الشرور، وقد مدح الله تعالى حياء مريم عليها السلام؛ وجعلها من الصديقين القانتين؛ حين حكى لنا القرآن الكريم شدة حيائها؛ وقولها للمَلَك: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} [مريم: ٢٠] !!

ثالثا:

ترسيخ مفهوم خروج الفتاة من بيت أبيها إذا بلغت الثامنة عشرة:

من مخازي ثقافة الحضارات المادية؛ أن يعيبوا على الفتاة التي بلغت الثامنة عشرة؛ ولم تخرج من بيت أبيها بأنها فاشلة؛ وغير مُستقِلة، والشعار المنتشر في مجتمعاتهم: “غادر المنزل عند سن الثامنة عشرة، وكن شخصاً بالغاً” “Move out at 18, be an adult”، شعار يحث الشباب والفتيات على الخروج من بيوت أهليهم !!

ومع خروجها من بيت أهلها؛ واضطرارها للعمل لدفع إيجار سكنها; وباقي لوازمها؛ فإنها قد تجد عملا مناسبا، وقد لا تجد إلا أن تعمل نادلة في بار -قيمتها في لبسها وتبرجها- لتبدأ بعد ذلك حياة الضياع والإباحية بين الذئاب البشرية !!

أمّا في ديننا الإسلامي العظيم؛ فإن الفتاة تعيش معززة مكرمة مع أهلها؛ ينفق عليها أبوها ويحميها، قال صلى الله عليه وسلم: (كَفى بالمَرءِ إثمًا أن يَحبِسَ عَمَّن يَملِكُ قُوتَه) [رواه مسلم (٩٩٦)] !!

رابعا:

نزع مفهوم الأمومة؛ والنظر بازدراء إلى عمل المرأة كربة بيت:

الاقتصاد -هو إله العصر في الحضارات المادية-؛ وأشد الناس عبادة له أكثرهم مالا، ولذا فإن المرأة التي لا تدر مالا -حين تتفرغ لتربية أولادها؛ وتدبير أمور بيتها؛ وشؤون زوجها- تعد صفرا في مجتمعها المادي، وصدق المصطفى حين قال: (تعِس عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهم) [رواه البخاري (٢٨٨٦)]، وفي ظل هذه الثقافة البئيسة تندفع المرأة إلى العمل؛ والعزوف عن الزواج؛ وعن ممارسة فطرة الأمومة التي فطرها الله عليها !!

أمّا في ديننا العظيم، فقد أولى الإسلام الأمومة منزلة عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: (والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بَعْلِها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم) [متفق عليه]، وفي هذا حفاظ على نظام الأسرة المطمئنة؛ ودورها في تخريج أجيال واعدة؛ للرقي بمجتمعات الأمة المسلمة، ومن هنا جاء تأكيد الرسول صلى الله عليه وسلم لحق الأم ثلاث مرات قبل ذكر حق الأب [كما ورد ذلك في الحديث المتفق عليه] !! 

 وأختم المقال فأقول: بعد فضح التخطيط الممنهج لامتهان المرأة في الحضارات المادية؛ أقول للمتطرفة البريطانية (Kellie-Jay Keen) (كيلي جاي كين)؛ المتزعمة لحملة المطالبة بنزع النقاب رسميا في بريطانيا، أقول لها موتي بغيظك، فالنقاب كان ولا يزال رمز طُهر المرأة المسلمة؛ وشعار عفتها؛ الذي حماها قرونا ممّا وقعت فيه المرأة الغربية من امتهان وذل وعبودية !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه علو قدْر المرأة؛ ودورها الكبير في المجتمع؛ بتربية النشء؛ والقيام بإدارة أعظم مملكة؛ وهو بيتها !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع السادس عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة السادسة عشرة: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [الحديد: ١٢].. بصوت القارئ الشيخ (عبدالرحمن السديس) ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة السابعة عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..