التأمل المفيد (٤٨٢) 

الحلقة الثالثة والستون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]

قال الله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّة ..} [النحل: ٩٢] !!

حظيت الأخلاق في الإسلام بقدْر كبير من الاهتمام، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاق) [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٢٣٤٩)]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما شيءٌ أثقلُ في ميزانِ المؤمِنِ يومَ القيامةِ مِن خُلُقٍ حسَن) [رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٣٢)]، ومدح ربنا تعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤] !!

وحين يخاطب الوحي المطهر المسلمين بضرورة التحلي بمكارم الأخلاق؛ فإنه لا يحصر ذلك في تعامل المسلمين فيما بينهم؛ بل يمتد ليشمل تعامل المسلم مع الناس جميعا -باختلاف جنسياتهم وعقائدهم ومكانتهم- بجميل الأخلاق وأحاسنها !!

أمّا حين يكون التعامل بين أمة الإسلام وغيرها من الأمم -كإبرام العهود- فإن الأمر يخرج عن دائرة تأثير الأخلاق الحميدة بين الأفراد؛ ليصبح التأثير الأخلاقي عالمي الأثر، ومن هنا جاء التحذير الرباني الشديد من نقض العهود؛ وتصوير ذلك في أبشع صورة؛ كما جاء ذلك في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ}، الآية الكريمة شبهت ناقض العهد بتلك المرأة الحمقاء التي تغزل؛ ثم إذا ما اكتمل غزلها نكثته لغير ما سبب؛ سوى السفه وقلة العقل !!

وقد نزل الوحي المطهر بالحث على الوفاء بالعهود:

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: ٣٤] !!

كما شنّع الوحي المطهر أشد التشنيع على ناقضي العهود:

قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: ٩٤]، حيث جعل الله تعالى غدر المسلم بالعهد نوعا من الصد عن سبيله؛ تمنع غير المسلمين من قبول الإسلام !!

وجعل صلى الله عليه وسلم الغدر في العهود من صفات المنافقين، جاء ذلك في الحديث المحفوظ؛ وفيه قال: (وإذا عاهَدَ غَدَرَ) [متفق عليه] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الغادِرَ يَنصِبُ اللهُ له لواءً يَومَ القيامةِ، فيُقالُ: ألا هذه غَدرةُ فُلانٍ) [متفق عليه] !!

وقد ضرب الإسلام للعالم أروع الأمثلة في المحافظة على العهود مع الكافرين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} [الأنفال: ٧٢]، تأمل قوله تعالى في الآية: {فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ} !!

ومن الأمثلة العظيمة التي ضربها الإسلام في الوفاء بالعهود مع غير المسلمين ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: “مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ”، قَالَ: “فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ”، قَالُوا: “إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا”، فَقُلْنَا: “مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ”، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: (انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ) [صحيح مسلم (١٧٨٧)]، وهذا هو التطبيق العملي لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلمونَ تتكافأُ دماؤهُم؛ ويسعى بذمَّتِهم أدناهُم) [رواه أبو داود، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٧٥١)] !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

ما الشؤم الذي وقع على قريش حين نقضت العهد مع المسلمين ؟

الجواب:

نقضت قريش العهد مع رسول الله صلى الله عليه -الذي كانوا قد أبرموه معه في صلح الحديبية-، وكان نقضها بمساعدتها لحلفائها “بني بكر” على حلفاء المسلمين “خزاعة”، حيث أمدت قريش بني بكر بالسلاح والرجال، وقُتِل عدد من خزاعة، فذهب عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة مستنصرا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وأنشد بين يديه قائلا:

 يا رب إني ناشدٌ محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

إن قريشاً أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هُجدا

وقتلونا ركعاً وسجدا

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (نُصِرتَ يا عمرُو بنَ سالمٍ)، ثم أمر الناسَ فتجهزوا وسألَ اللهَ أنْ يعمِّىَ على قريشٍ خبرَهم [السيرة النبوية لابن كثير (٣/ ٥٢٦)] .. وكان الشؤم الذي وقع على قريش بنقضها للعهد؛ أن سار إليهم المسلمون بجيش قوامه عشرة آلاف رجل؛ وفُتِحت مكة؛ وطُهِّرت من الأصنام؛ وانقلب شؤم نقض قريش للعهد -بِقَدَر من الله- إلى هدايتهم ودخولهم في الإسلام؛ وعلى رأسهم زعيم قريش آنذاك: أبو سفيان رضي الله عنه !!

وسؤال آخر مهم طرحُه:

ما الآثار الوخيمة لنقض المشركين للعهود في عصرنا ؟

الجواب:

نقْضُ المشركين للعهود أمر متفش فيهم، ولا غرابة في ذلك، فقد نقضوا العهد مع الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِه} [الرعد: ٢٥] !!

وقال تعالى عن اليهود: {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: ٥٦] !!

ومن المشركين الذين ينقضون العهود اليوم؛ الحوثة الإرهابيون؛ نقضوا عهدهم مع الله تعالى؛ واعتدوا على البلد الحرام الذي حرّمه سبحانه يوم خلق السماوات والأرض، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَه اللهُ يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، فهو حَرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يَومِ القيامةِ، وإنَّه لَم يَحِلَّ القِتالُ فيه لأحَدٍ قَبلي، ولَم يَحِلَّ لي إلَّا ساعةً مِن نَهارٍ، فهو حَرامٌ بحُرمةِ اللهِ إلى يَومِ القيامة) [متفق عليه] !!

كما اندلعت في عصرنا حروب عالمية بسبب نقض العهود بين الكفار، من ذلك:

نقضت ألمانيا في ٢٢ يونيو عام ١٩٤١ من الميلاد معاهدة بينها وبين روسيا تسمى معاهدة: (مولوتوف – ريبنتروب)؛ بعدم الاعتداء على بعضهما، نقضت ألمانيا العهد وشنت عملية (بربروسا) العسكرية؛ مجتاحة الاتحاد السوفيتي؛ فاندلعت على إثرها الحرب العالمية الثانية؛ التي قُتِل فيها الملايين !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وعظّم فيه خُلُق الوفاء بالعهود !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن شر الحوثة المارقين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الحادية والعشرين لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر .