الحلقة الثانية والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه} [النساء: ٦٤] !!
وقال صلى الله عليه وسلم مبينا وجوب طاعته: (يوشِكُ أنْ يقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقولُ: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فما وجدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ) [أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٨٦)] !!
استجاب الصحابة -رضوان الله عليهم- لتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم -بطاعته فيما أمر؛ واجتناب ما عنه نهى وزجر- امتثالا للآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه} [النساء: ٦٤]؛ وبذلوا الأنفس والأموال رخيصة في سبيل رفِعة دينهم ونصرته !!
وإذا كان هذا هو حال الصحابة -رضوان الله عليهم- في بذلهم وعطائهم -طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم-؛ فإننا بحاجة إلى أن نعالج مفهوما جانب الصواب لدى بعض أبناء المسلمين اليوم وهو: استثقالهم التأسي بالصحابة في بذلهم وعطائهم؛ واعتذارهم عن ذلك بقولهم: “أين نحن وأين الصحابة” أو “الصحابة عاصروا عصر التنزيل، ونحن في هذا القرن؛ وما فيه من فتن” وغير ذلك من التبريرات !!
وإذا ما أمعنّا النظر في هذه التبريرات فإننا نجد أن سببها الحقيقي يكمن في الطرح الدعوي الذي يطرحه بعض الدعاة على الناس: حين يتحدثون فقط عن جوانب العمل الصالح الكبير والكثير للصحابة ويهملون جانبا آخر جد مهم؛ وهو:
الحديث عن أهمية ترسيخ الجوانب الإيمانيّة في القلوب: من ذلك استحقاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- للطاعة من قِبَل أتباعه .. وإذا ما علمنا أن ترسيخ الجوانب الإيمانيّة في قلوب الصحابة قد بذل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم جهدا كبيرا طوال دعوته التي استمرّت ثلاثا وعشرين سنة؛ فإنه لا يجوز لنا أن نختزل هذا الجهد الكبير في يوم واحد من العام؛ فضلا عن أن ذلك ليس من هديه صلى الله عليه وسلم في ترسيخ الإيمان في قلوب المؤمنين !!
ومع إدراك المسلم أن شُعب الإيمان كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمانُ بضعٌ وسبعون شعبةً، أعلاها قولُ لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ) [متفق عليه]؛ وأن أعظم هذه الشُّعب هو العلم بالله العلي العظيم؛ الذي هو أشرف العلوم؛ وما يثمره هذا العلم من إفراد الله تعالى بالعبادة؛ غير أني سأسلط الضوء في هذا المقال على جانب من جوانب ركن الإيمان بالرسل عليهم السلام؛ وهو جانب استحقاقهم للطاعة والاتِّباع من قِبَل أتباعهم !!
وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه:
ما جوانب استحقاق الرسول -صلى الله عليه وسلم- لطاعة أتباعه له؛ التي خصّه الله تعالى بها ؟
الجواب:
الخصائص التي خصّ الله تعالى بها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والتي ما أن يدركها المسلم إلا ويندفع بقوة إلى التأسي به؛ كما يندفع إلى محاكاة الصحابة في بذلهم وعطائهم الكبير، أقول هذه الخصائص كثيرة ومتنوعة؛ وفيما يلي بيان بعضها:
أولا:
اصطفاء الله تعالى له -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة:
قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: ٧٥] !!
وقال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: ١٥٨] !!
إن من أعظم طُرُق تعظيم الرُّسل عليهم السلام؛ والاندفاع نحو طاعتهم -وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم- ازدياد معرفة المؤمن بمُرسِل الرسل -الله العلي العظيم- لتعلو بذلك مكانة الرسل في نفوس المؤمنين !!
ثانيا:
عصمته -صلى الله عليه وسلم- عن الخطأ فيما يبلغه عن ربه سبحانه:
قال تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ • إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣-٤] !!
النفوس السوية تطمئن وتنجذب إلى من يقول الحق من الناس؛ فكيف إذا كان من يقول الحق معصوما؛ عليه الصلاة والسلام ؟!!
ثالثا:
دعوته -صلى الله عليه وسلم- إلى الله تعالى وحده:
قال تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَة} [يوسف: ١٠٨] !!
فهو -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى الله تعالى؛ ولا يدعو إلى نفسه؛ ولا إلى قبيلته أو حزبه !!
رابعا:
بلوغه -صلى الله عليه وسلم- مرتبة الأُسوة الحسنة في جميع جوانب الحياة:
قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} [الأحزاب: ٢١]؛ كلمة -{أُسْوَة}- في الآية؛ جاءت نكرة لتفيد العموم، فهو أُسوة صلى الله عليه وسلم في العبادة؛ وفي المعاملة؛ وفي الجهاد؛ وفي الأخلاق؛ وفي كل أمر !!
أمّا سائر البشر فإن الواحد منهم قد يكون فقيها عالما عابدا؛ لكنه لا يصلح أن يتقدم الجيوش ليقودها؛ وغير ذلك من الأمثلة كثير !!
وأختم فأقول: إذا كان ترسيخ الإيمان في قلوب المؤمنين -باستحقاق النبي صلى الله عليه وسلم لأن يُتَّبع ويُطاع- يدفعهم للتأسي به صلى الله عليه وسلم؛ واتِّباع نهجه؛ ويلغي مفهوم صعوبة التأسي بالصحابة في بذلهم الكبير؛ فكيف عساه يكون بذلنا إذا ما تأملنا بشارتين -من الوحي المطهر- تفتحان باب التنافس مع السابقين المقربين ؟ وهما:
قال تعالى: {ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ • وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: ١٣-١٤]، قال أهل التفسير: “يدخلها جماعة كثيرة من صدر هذه الأمة، وغيرهم من الأمم الأخرى، وقليل من آخر هذه الأمة” !!
وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ ورائِكُم زمانُ صبرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فيه أجرُ خمسينَ شهيدًا منكم) [صححه الألباني في صحيح الجامع (2234)] !!
مع إدراكنا أن للصحابة رضوان الله عليهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة -بسبب صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم- كما بيّن ذلك العلماء !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الَإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه الخصائص التي خصّ الله تعالى بها رسله عليهم السلام؛ حتى ينقاد لهم الأتباع؛ طاعة وبذلا وعطاء !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع التاسع ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة التاسعة: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا} [التغابن: ٨] .. بصوت القارئ الشيخ (سعد الغامدي) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة العاشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..