التأمل المفيد (٤٧٠) 

الحلقة الحادية والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: ٣٢]، قال أهل التفسير: “وجعلني بارًّا بوالدتي، ولم يجعلني متكبرًا ولا شقيًا، عاصيًا لربي” !!

الحديث عن حفظ الله تعالى للمؤمن من أن يكون جبارا شقيا في هذه الدنيا؛ كما حكى لنا القرآن الكريم قول عيسى عليه السلام في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}؛ هو حديث عن نعمة من أكبر النِّعم التي يمنّ الله بها على عباده المؤمنين !!

وإذا كان عيسى -عليه السلام- النبي المعصوم هو القائل -{وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}-؛ فكيف لا يقولها ويشكر الله عليها المؤمنون من أتباع الأنبياء -عليهم السلام- الذين منّ الله عليهم بالانقياد له؛ وبَغّض إليهم الكِبْر؛ وحماهم من صفات الأشقياء ؟ والأعظم من ذلك؛ كيف لا يقولها المؤمن الذي يعيش في زمن الفتن -كعصرنا- الذي يصدق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (بادِروا بالأعمالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافِرًا، أو يُمسي مُؤمِنًا ويُصبِحُ كافِرًا، يَبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا) [رواه مسلم (١١٨)]؟ .. فالحمدلله الذي جعلنا مؤمنين؛ غير جبارين؛ ولا أشقياء عصاة لله تعالى خاسرين !!

وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن الفتن في هذا العصر قد استشرت؛ وجرفت معها الكثير من أتباع المِلل الضالة؛ وصدتهم عن الدين الحق: كاليهود، والنصارى، والبوذيين، والهندوس، والمجوس الباطنيين، والملاحدة، والعلمانيين، وغيرهم، وقد بلغ تعداد هؤلاء الضالين نحو ستة مليارات، وفيما يلي مثالان لبعض الفتن المهلكات:

الشرك؛ الذي كان واضحا جليا -كعبادة الأصنام، ودعاء الموتى وغيرهما- أضحى في عصرنا متخفيا وراء أقنعة جديدة؛ كالعلمانية؛ ووحدة الأديان، وغيرهما !!

وكذلك من الموبقات جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة -كجحد أعداء الإسلام لحجاب المرأة- اتسع حتى أضحى في عصرنا إنكارا لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم بالكلية؛ عند أناس انحرفوا وزعموا أنهم لا يحتكمون إلا للقرآن الكريم؛ والله تعالى يقول:  {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ} [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: ٧] !!

هذا، وقد تحدث القرآن الكريم كثيرا عن المصير المخزي للأشقياء المتكبرين؛ إذا ماتوا على حالهم؛ متمردين على ربهم العظيم، قال تعالى: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: ٧٢]، وغيرها كثير من آيات الكتاب المبين !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

ما مراد الله تعالى من عرض القرآن الكريم لأحوال الأشقياء والمتكبرين في الدنيا؛ ويوم يقوم الأشهاد ؟

الجواب:

إن في قول الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: ٥٥]؛ الجواب الشافي على السؤال المطروح، إذ في استبانة سبيل المجرمين ثمار إيمانية عظيمة يحتاجها المؤمن في سيره إلى الله تعالى؛ من ذلك:

الثمرة الأولى:

الثبات على الإيمان؛ بالاتعاظ من حال الذين انتكسوا عن الإيمان وغيروا وبدلوا:

حكى لنا القرآن الكريم عن افتتان وانتكاسة رجل كان قد آتاه الله تعالى علما نافعا، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ • وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: ١٧٥-١٧٦]، قال الإمام السعدي: “أي: علمناه كتاب الله فصار العالم الكبير والحبر النحرير، فانسلخ منها فأتبعه الشيطان؛ أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله؛ فإن العلم بذلك يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال؛ ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره،؛ ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب؛ وخلعها كما يُخلع اللباس، فلما انسلخ منها؛ أتبعه الشيطان؛ أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين وصار إلى أسفل سافلين”[تفسير السعدي (٣٠٨)] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الحَورِ بعد الكَورِ) [رواه مسلم (١٣٤٣)]، قال الإمام الترمذي في شرح الحديث: “ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية” [سنن الترمذي (٥/ ٣٧٥)] !!

الثمرة الثانية:

الخوف من المصير المخيف؛ والأهوال المُفزعة؛ التي سيلقاها الشقي المتكبر عند الموت:

قال تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: ٩٣] !!

إن قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الآية الكريمة -{وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ}- أي: ولو أنك أبصرت -أيها الرسول- هؤلاء المتجاوزين الحدَّ وهم في أهوال الموت لرأيت أمرًا هائلا !!

فدعونا نسأل أنفسنا نفس السؤال:

كيف لو أبصرنا -حين تتناقل وسائل التواصل خبر وفاة خاسر من الأشقياء المتكبرين، مع أننا لا نقطع لإنسان بجنة ولا نار; إلا بنص شرعي- أقول كيف لو أبصرنا الأهوال التي سيواجهها الشقي المتكبر عند موته؟ حتما سترد على بالنا خواطر مرعبة كثيرة؛ منها:

تُرى هل تاب من كفره قبل أن تغرغر روحه؟ وإذا لم يتب من كفره؛ تُرى كيف انتُزِعت روحه؟ تُرى ماذا كان يرى من أهوال وهو يلفظ آخر أنفاسه؟ تُرى بأي لغة قال {رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون: ٩٩]؟!!

ترِد هذه الخواطر على بال المؤمن -عند موت أحد الكافرين- وتغمره الفرحة والسرور لإيمانه بالله العظيم، ويتذكر عندها أن حياته الإيمانية جعلته على النقيض من ذلك الشقي الذي حادّ الله تعالى؛ وحادّ رسوله صلى الله عليه وسلم !!

المؤمن ينطق بالشهادة مرارا خلال يومه .. يصلّي ويصوم ويزكي .. يقرأ القرآن الكريم؛ الذي يحثه على فعل الخير، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: ٧٧] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه سبيل المؤمنين؛ وسبيل الأشقياء المتكبرين !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع الثامن ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الثامنة: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر : ٣١] .. بصوت القارئ الشيخ (أحمد العجمي) ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة التاسعة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..