التأمل المفيد (٤٦٩) 

الحلقة الخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: ٢٩] !!

أدلى فلاسفة الحضارات المادية -قديما؛ وفي العصر الحديث- بأطروحات متباينة لإقامة الدولة الناجحة -زعموا-، من ذلك المدينة الفاضلة لأفلاطون، والدولة الطبيعية لأرسطو، والعقد الاجتماعي لتوماس هوبز، والدولة الليبرالية لجون لوك، وغيرها من النظريات، وكلها لا تستند إلى منهج خالق الإنسان؛ الذي أنزل آدم عليه السلام إلى هذه الأرض؛ وقال له ولذريته: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} [طه: ١٢٣] !!

وأمّا في الإسلام؛ فقد أوجز لنا ربنا سبحانه في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}؛ أوجز لنا ربنا في الآية الكريمة أعظم سُنّتين كانتا وراء توفيق الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والذين معه رضوان الله عليهم؛ في إقامة دولة عظيمة؛ في فترة زمنية وجيزة -ثلاث وعشرين سنة- في الجزيرة العربية كلها، حيث أقبلت وفود قبائل العرب من كافة أنحاء الجزيرة -بعد غزوة تبوك- تتقاطر إلى المدينة مبايعة للرسول صلى الله عليه وسلم !!

هاتان السُنّتان هما: المجتمع المتكاتف؛ وبناء القيم الربانية الصحيحة في النفوس -{مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}-، وهما سُنّتان تحتاجهما أمة الإسلام اليوم؛ لتزدهر وتنعم وتسود وترقى:

السُّنّة الأولى:

المجتمع المتكاتف:

 ساند الرسول صلى الله عليه وسلم في إنجاز مهمته وإقامة دولته؛ مجتمع الصحابة المؤمنين الراكعين الساجدين -{وَالَّذِينَ مَعَهُ}-، فلم يكن وحيدا صلى الله عليه وسلم في دعوته، بل على العكس تماما، حيث كان -وهو في مكة- يبحث عمّن يسنده؛ وعن مكان يؤويه؛ إلى أن قابل الفتية من يثرب -رضوان الله عليهم- وتمت بيعتا العقبة الأولى والثانية، ولم يأذن الله تعالى له بالهجرة إلى طيبة إلا والإسلام كان قد انتشر بين أهلها !!

وهذه السُنّة التي أجراها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ حين هيأ له من يحمل معه أعباء الدعوة، قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: ٦٣]، أقول هذه السُّنة تحدثت عنها مجتمعات الحضارة المادية اليوم فيما يسمونه بروح الفريق -بالالتفاف حول شعار زائف؛ عدل، حرية، مساواة-، ولكن أنى لهم النجاح في إقامة دُول تحمل الخير للبشرية؛ وهم قد كفروا بالله العظيم؛ ونبذوا بذلك السُّنّة الثانية؛ التي أقام بها الرسول صلى الله عليه وسلم -في مجتمعه المتكاتف- دولة أسعدت البشرية؛ كما سيأتي بيانه !!

هذا، وقد زخَر كل من الكتاب المبين؛ والسنة المطهرة ببيان أهمية اجتماع كلمة المسلمين في كل أمورهم، من ذلك:

قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: ٧١] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ؛ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى) [رواه مسلم (٢٥٨٦)] !!

بل لأهمية اجتماع كلمة المسلمين في كل أمر؛ جاء الحث حتى على التوبة؛ بأن تكون من جميع المؤمنين؛ لأن في ذلك فلاحهم، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: ٣١] !!

السُّنّة الثانية:

بناء القيم الربانية الصحيحة في النفوس:

إن بناء القيم الربانية الصحيحة في النفوس -في مجتمع متكاتف؛ يشد بعضه بعضا- أسرع بمرات لا تُعد ولا تُحصى من محاولات أعداء الإسلام هدم هذه القيم الربانية الصحيحة في نفوس المؤمنين، إذ هي قيم قد فطر الله تعالى النفوس عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة) [متفق عليه]-، وهذا ما حصل لجيل الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا جميعا يبنون القيم الصحيحة في نفوس بعضهم بعضا؛ ممّا سرّع عملية بناء القيم؛ ولم يفلح كفار مكة في هدمها، وهذا هو سر قيام دولة الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن وجيز جدا؛ ثلاث وعشرين سنة فقط !!

وقد أوجز الله تعالى القيم الربانية الصحيحة -عشرات التعاملات للمؤمنين مع الكافرين؛ وعشرات التعاملات للمؤمنين مع بعضهم بعضا- أوجزها واختصرها سبحانه في كلمات في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، وما أوجزته الآية الكريمة إنما هو إشارة إلى تعاملات كثيرة؛ مرجعها الكتاب والسنة:

أولا: تعامل المؤمنين مع الكافرين:

من ذلك: أن الله تعالى جمع للمؤمنين في تعاملهم مع القوم الكافرين بين سلوكين:

 القسط والعدل معهم -ما داموا مسالمين لنا؛ ولا يقاتلوننا؛ ولا يخرجوننا من ديارنا-، قال تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨] !!

والحذر والشدة مع الكافرين؛ ممّن لا يريدون لنا الخير، قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهم} [البقرة: ١٠٩] !!

ثانيا: تعامل المؤمنين مع بعضهم البعض:

كل تعاملات المؤمنين مع بعضهم البعض تحمل الرحمة، إذ هي تعاملات شرعها الحكيم سبحانه، ويكفينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يَبِعْ بَعضُكُم على بَيعِ بَعضٍ، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا) [رواه مسلم (٢٥٥٩)] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه السُّنن الربانية وراء قيام المجتمعات المسلمة؛ التي تحمل الخير لنفسها؛ ولمن حولها !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع السابع ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة السابعة: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: ٣١] .. بصوت القارئ الشيخ (مختار الحاج) ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الثامنة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..