الحلقة التاسعة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠] !!
تحتاج الأمة المسلمة إلى هذا التوجيه الرباني العظيم -{اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ}- في كل زمان ومكان، وهي أحوج ما تكون إليه خلال أزمنة الشدائد والصِعاب، وهذا ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام -رضوان الله عليهم- بعد غزوة أحد؛ وما صاحبها من أحداث أليمة، قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: ١٦٥]، وفي الحديث: (أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كُسِرَت رَباعيتُهُ يومَ أحدُ، وشُجَّ حتَّى سالَ الدَّمُ على وجهِهِ، فقالَ: كيفَ يُفلحُ قومٌ فعلوا هذا بنبيِّهم، وَهوَ يدعوهم إلى ربِّهم عزَّ وجلَّ، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: ١٢٨]) [رواه مسلم (١٧٩١)] !!
هذا، وإن من أعظم معاني آية التأمل في هذا المقال؛ أنها تضمنت نداء ربانيا كريما للمؤمنين -{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}- من لدن خالق الكون؛ مالك السماوات والأرض؛ الذي إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون، وهو نداء لم يُنعِم الله تعالى على أحد بشيء أعظم منه، وكيف لا يكون كذلك والقرآن صلة بين المؤمن وربه ؟!!
وقد خصت كل آية بدأت بهذا النداء الرباني -{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}- الأمة المسلمة بتوجيه رباني حكيم؛ لم ولن تحظى به أي أمة أخرى -ما لم تؤمن بخالقها العظيم-، وإنه لحري بكل مسلم أن ينقاد لهذه التوجيهات؛ ليزداد تعظيما لربه؛ كما يزداد فرحة وغبطة بانتمائه إلى أمة الإسلام؛ التي يوجهها الوحي في كل شؤونها !!
وعليه، فإن حديثي سيكون عن بعض هذه التوجيهات الربانية؛ من خلال الآيات التي تحمل النداءات الإيمانيّة؛ التي تنزلت ضمن ثمانين آية كريمة خاطبت المؤمنين في سورة آل عمران؛ تعقيبا على أحداث غزوة أحد، فأقول وبالله التوفيق:
النداء الإيماني الأول:
بعد أن بدأ الحديث في السورة عن غزوة أحد؛ وعن تنظيم الرسول -صلى الله عليه وسلم- صفوف أصحابه الكرام -رضوان الله عليهم-؛ وإنزال كل واحد في منزله للقاء المشركين؛ وتذكير المؤمنين بنصر الله تعالى لهم من قبْلُ في غزوة بدر؛ كما وعدهم بالنصر في أحد إنْ هم صبروا واتقوا: جاء بعد ذلك نداء إيماني كريم:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ١٣٠]، بدأت الآية الكريمة بالنهي عن أكل الربا؛ وانتهت بالتوجيه بطاعة الله تعالى فيما أمر؛ واجتناب ما عنه نهى وزجر -{وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}-، في كل الأوقات -في الحرب والسلم سواء- لأن ذلك سبب فلاحهم، وحتى يستيقنوا -والآيات تتحدث عن غزوة أحد- أن طاعته سبحانه سبب لنزول النصر !!
وقد أدرك الفاروق -رضي الله عنه- هذه المعادلة الربانية -أنه بطاعة الله تعالى يُستنزل النصر-، حيث كتب إلى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في رسالة طويلة: “أما بعد: فإني آمرك، ومن معك من الأجناد، بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك، ومن معك، أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله” [العقد الفريد ١/١١٧] !!
النداء الإيماني الثاني:
ثم استمرّت آيات السورة بالتعقيب على أحداث غزوة أحد، وأن الهزيمة التي وقعت كانت اختبارا وتصفية للمؤمنين، وتخليصًا لهم من المنافقين وهلاكا للكافرين، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس الرُّسل الذين قبله؛ يبلغ رسالة ربه، وحذرهم أن يرجعوا عن دينه -صلى الله عليه وسلم- إن مات أو قُتِل، ومن يرجِعُ عن دينه فلن يضر الله شيئا؛ إنما يضر نفسه .. ثم جاء بعد ذلك نداء إيماني كريم:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران: ١٤٩]، قال أهل التفسير: “يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن تطيعوا الذين جحدوا ألوهيتي، ولم يؤمنوا برسلي من اليهود والنصارى والمنافقين والمشركين فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه، يضلوكم عن طريق الحق، وترتدُّوا عن دينكم، فتعودوا بالخسران المبين والهلاك المحقق” !!
النداء الإيماني الثالث:
ثم استمرّت آيات سورة آل عمران تتنزل مُعقِّبة على أحداث غزوة أحد، لكن بتفصيل أكثر عن سبب الهزيمة في أحد؛ وهو اختلاف وتنازع الرماة؛ هل يبقون في مواقعهم؛ أو يتركونها لجمع الغنائم؛ فنزلوا؛ وعصوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم: بألا يفارقوا أماكنهم أبدا؛ فحلت بهم الهزيمة، ثم عفا الله عنهم لصدق ندمهم .. ثم جاء بعد ذلك نداء إيماني كريم:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: ١٥٦]، وفيه تحذير من طاعة المنافقين، بعد أن حذرهم من طاعة الكافرين من قبل !!
ثم خُتِمت السورة بنداء إيماني عظيم لكافة المؤمنين في كل زمان ومكان؛ في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]؛ لتكون بلسما للنفوس التي يصيبها أسى وحزن؛ ولإعادة الثقة فيها؛ ولحشدِها لمقابلة الأعداء المتربصين بها، وذلك بالصبر على طاعة الله تعالى؛ وعلى ما ينزل من الضر والبلاء، وبأن يصابروا أعداءهم حتى لا يكونوا أشد صبرًا منهم، وبالمرابطة في المكان الذي يُخاف من وصول العدو منه !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه ما تميزت به الأمة المسلمة من توجيهات ربانية حكيمة عن سائر الأمم !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع السادس ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة السادسة: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧] .. بصوت القارئ الشيخ (سعد الغامدي) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة السابعة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..