الحلقة الثالثة والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [لقمان: ٣١] !!
الحديث عن البحار والمحيطات والأنهار -وما فيها من دلائل عظمة الله تعالى- حديث قرآني عظيم؛ ومحطة تفكر إيمانية وارفة الظلال، وما الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ}؛ إلا جزء من صورة إيمانية ربانية عن البحار كبيرة؛ تتجلى فيها المعاني العظيمة لكثير من أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العليا، وهي معان يحتاجها المسلمون ليزدادوا إيمانا؛ ويحتاجها غير المسلمين ليستيقنوا عظمة خالقهم سبحانه؛ لعلّهم يسلموا له؛ وينقادوا لمنهجه القويم !!
فدعونا نستعرض معا بعض هذه المعاني العظيمة لأسماء الله تعالى الحسنى؛ من خلال ما جاء في كتاب الله تعالى من آيات بينات عن البحر، فأقول وبالله التوفيق:
أولا: اسم الله تعالى: (الخالق):
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّة} [الشورى: ٢٩] !!
خلق الله تعالى كوكب الأرض بمحيطاته وبحاره وأنهاره -التي شغلت مساحة (٧١٪) من كوكبنا- وباليابسة -التي لم تتجاوز (٢٩٪) منه-، ولذا حُق لنا -والماء يشكل هذه النسبة الكبيرة من أرضنا- أن نطيل التأمل فيه؛ تعظيما لخالقه العظيم !!
ثانيا: اسم الله تعالى: (اللطيف):
قال تعالى: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} [البقرة: ١٦٤] !!
لُطف الله تعالى كبير بخلقه؛ حين سخر لهم هذه البحار -وكأنها شبكة معبدة من الطرق المائية- تجري فيها السفن بأمره؛ فتتواصل القارات، بل إن (٩٠٪) من التجارة العالمية تُنقل بالسفن، وقد لمس نبي الله نوح -عليه السلام- هذا اللُّطف حين قال له تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: ٣٧] !!
ثالثا: اسم الله تعالى: (الرازق):
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} [النحل: ١٤] !!
أرزاق الله تعالى لعباده في البحر لا تُعد ولا تُحصى، من ذلك ما قدّره العلماء بأن (٨٠٪) من الكائنات الحية على كوكبنا تعيش في البحر .. ولا يقتصر الرزق من البحار على ما نأكله من أسماك؛ أو ما نستخرجه من حُلي؛ بل حتى الأكسجين الذي نتنفسه (٧٠٪) منه تمدنا به -بتدبير من الله تعالى- العوالق النباتية البحرية الموجودة على سطح البحر .. كما أن من النِّعم العظيمة في عصرنا تحلية مياه البحر !!
وحتى ميتة البحر أحل الله تعالى أكلها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم في البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) [أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٦٩)] !!
رابعا: اسم الله تعالى: (القوي):
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ • إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ • أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِير} [الشورى: ٣٢-٣٤] !!
قال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا}: “أو يهلكِ السفن بالغرق بسبب ذنوب أهلها”، هذا المعنى تحتاج جميع دول العالم إلى إدراكه، حتى لو ملك بعضها المئات من القطع البحرية الحربية -من السفن والغواصات- تمخر في بحار العالم ومحيطاته؛ بهدف الهيمنة والسيطرة؛ واستعمار الدول الضعيفة؛ ونهب ثرواتها، أقول الدول التي هذا هو شأنها بحاجة ماسة إلى معرفة قوة الله تعالى الذي يملكهم؛ ويملك البحار وما فيها؛ وليحذروا من الذنوب -وأعلاها الشرك- فإن الذنوب مُهلِكة !!
خامسا: اسم الله تعالى: (النصير):
قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: ٦٣] !!
لله تعالى جنود السماوات والأرض ينصر بها عباده المؤمنين -منها البحر-، حيث أوحى الله تعالى إلى موسى -عليه السلام- أن يضرب البحر بعصاه؛ فانفلق إلى اثني عشر طريقًا؛ بعدد قبائل بني إسرائيل؛ فكانت كل قطعة انفصلت من البحر كالجبل العظيم !!
سادسا: اسم الله تعالى: (المجيب):
قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: ٦٧] !!
اضطراب البحر وأهواله وأعاصيره -إذا قدّرها الله تعالى- يعرف الناس حينها -حتى الكفار منهم- أن المجيب هو الله تعالى؛ فيدعونه ليغيثهم وينقذهم من الغرق والهلاك !!
سابعا: اسم الله تعالى: (العليم):
قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر} [الأنعام: ٥٩] !!
يعلم الله تعالى ما في البحار من أحياء مائية؛ ونبات؛ وحُلي؛ وشُعب مرجانية؛ ونفط؛ وغاز؛ ومعادن، وغير ذلك، ويقدّر العلماء أن (٨٠٪) ممّا في البحار لم يُكتشف بعد؛ ولا يعلم أنواعها وأعدادها إلا الله تعالى !!
ثامنا: اسم الله تعالى: (الحكيم):
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر} [الأنعام: ٩٧] !!
من حكمة الله تعالى أن جعل النجوم دليلاً يهتدي به البحارة في أسفارهم !!
تاسعا: اسم الله تعالى: (القدير):
قال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ • بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ} [الرحمن: ١٩-٢٠]، قال أهل التفسير: “خلط الله ماء البحرين -العذب والملح- يلتقيان، بينهما حاجز، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ويذهب بخصائصه، بل يبقى العذب عذبًا، والملح ملحًا مع تلاقيهما” !!
سبحان الله العلي القدير، قد شاهد كثير منا مقاطع عن هذه الظاهرة الربانية المدهشة؛ التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه ما في البحر من آيات عِظام؛ تدل على الله العلي العظيم !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع العاشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة العاشرة: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: ١٢٢].. بصوت القارئ الشيخ (مختار الحاج) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الحادية عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..