الحلقة الخامسة والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]
قال الله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: ١٦٣] !!
آية التأمل في هذا المقال تحكي قصة قوم من اليهود يسكنون قرية قريبة من البحر؛ وكانوا يعتدون على حُرمات الله تعالى يوم السبت؛ وقد أُمِروا بتعظيمه، فابتلاهم الله تعالى -لفسقهم- بأن قدّر للحوت أن يأتي بحرهم يوم السبت؛ ولا يأتيه باقي الأيام، وبالرغم من حُرمة الصيد عليهم في ذلك اليوم؛ إلا أنهم التفوا على هذا الحكم بوضع شباكهم قبل يوم السبت -لتقع فيها الحيتان- ثم يخرجونها بعده !!
وقد استمر احتيال اليهود على المُحرمات في شريعتهم على مر القرون، قال صلى الله عليه وسلم: (لعن اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشحومُ أن يأكلوها، فجمَّلوها فباعوها فأكلوا أثمانها) [متفق عليه]، بل أضحت الحِيَل في عصرنا أكثر غرابة واستهجانا !!
والحقيقة أن أساس الانحرافات العقدية؛ ومن ثم السلوكية لدى اليهود؛ هو جرأة أحبارهم على التحريف:
بدأوا بالتوراة فحرّفوها -بعد انقضاء عهد موسى عليه السلام- وليس ذلك غريبا على اليهود؛ الذين عبدوا العجل في حياته-، وقد تجرأوا في تحريفهم حتى على التنقص من الذات الإلهية؛ فوصفوا الإله بالجهل والندم -تعالى الله عمّا يقولون علوا كبيرا- وافتروا على الأنبياء عليهم السلام؛ بإلصاق الجرائم الأخلاقية بهم؛ كالزنا، وشرب الخمر !!
وأمّا التلمود -وما فيه من تشريعات باطلة- فقد كتبوه بأيديهم؛ زاعمين أنه من عند الله، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّه} [البقرة: ٧٩]، وحاشا لله أن تكون هذه الأحكام الباطلة -كما سيأتي بيان بعضها- من تشريع الحكيم العليم، وإنما تعمّد الأحبار تشريعها ليُحْكِموا قبضتهم على أتباعهم؛ حتى أضحوا أربابا لهم من دون الله، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه} [التوبة: ٣١]، قال أهل التفسير: “اتخذ اليهود والنصارى العلماء والعُبَّادَ أربابا يُشَرِّعون لهم الأحكام، فيلتزمون بها ويتركون شرائع الله” !!
وهذان سؤالان مهمان أطرحهما:
أولا:
ما هي بعض التشريعات المحرّفة الغريبة التي شرّعها أحبار اليهود لأتباعهم ؟
ثانيا:
ما أنواع التحايل التي يرتكبها اليهود -في عصرنا- ليستحلوا بها المُحرمات في شريعتهم المحرّفة ؟
الجواب:
أولا:
بعض التشريعات المحرّفة:
شرّع الأحبار لليهود أحكاما غريبة بتفاصيل دقيقة؛ تؤكد تشددهم -كالتشدد الذي أبدوه في أوصاف البقرة التي أمرهم الله بذبحها-، وهي أحكام تمس جميع جوانب الحياة؛ من ذلك فترة حيض المرأة:
جاء في التلمود: شولحان عاروخ يوريه ديعاه (195) ما نصه:
(لا ينامان في سرير واحد).
(لا يلمسها ولا تعطيه شيء من يدها ليده مباشرة، يجب أن تضع الشيء على الطاولة وهو يأخذه).
(لا يأكل من بقايا أكلها).
الحمد لله على وسطية الإسلام؛ يباح للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا الجماع، قال صلى الله عليه وسلم: (اصنَعوا كلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاحَ) [رواه مسلم (٣٠٢)] !!
ثانيا:
أنواع التحايل الذي يرتكبه اليهود -في عصرنا- ليستحلوا به المُحرمات في شريعتهم المحرّفة؛ خاصة يوم السبت !!
من عظيم جُرم تطاول اليهود على الذات الإلهية: زعمهم أنه سبحانه احتاج إلى الراحة بعد خلق السماوات والأرض، جاء في سفر الخروج (20:11): “لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، واستراح في اليوم السابع، لذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه” !!
وقد نزّه الله تعالى نفسه -في كتابه الكريم- عن إلحاد اليهود هذا، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: ٣٨] !!
وحتى يتشبهوا بإلههم في راحته يوم السبت -كما يزعمون؛ وفي ذلك إصرار على الاستمرار في التنقص من الذات الإلهية- أراحوا أنفسهم بتحريم (٣٩) تسعة وثلاثين عملا؛ بحيث يُعدّ القيام بأحدها من أكبر الكبائر -مع كونها أعمالا يحتاج إليها الناس-، بل إن القتل هو عقاب مرتكب أي من هذه الأعمال، جاء في سفر الخروج (31:14-15): “وأمّا اليوم السابع فسبت عطلة مقدس للرب، كل من صنع عملاً في يوم السبت يُقتل قتلاً” !!
من هذه الأعمال المحرّمة:
كل عمل له علاقة بالبناء والنار، كالبناء والهدم؛ وإشعال النار وإطفائها، ويدخل في ذلك تشغيل السيارة؛ وفتح وإطفاء أي شيء فيه كهرباء، وكل عمل له علاقة بالزرع، وكل عمل له علاقة بذبح وسلخ ما يأكلون، وغير ذلك من الأعمال المحرّمة يوم السبت كثير !!
وبسبب حاجة اليهود إلى هذه الأعمال؛ ولكون مرتكبها عند اليهود قد أتى بأقبح الكبائر؛ فقد لجأوا إلى الالتفاف عليها بحِيَل كثيرة:
من أغربها؛ الالتفاف على حكم تحريم حمل أي شيء يوم السبت -سواء من المنزل إلى الشارع؛ أو العكس؛ حتى لو كان حمل طفل رضيع-؛ التفوا على ذلك بحيلة الإيروڤ (Eruv)، فما هي هذه الحيلة ؟
يأتون بسلك رفيع جدا؛ ويمدونه فوق أعمدة كهرباء الحي الذي يسكنونه، بحيث يلف السلك على أعمدة كهرباء الحي كلها !!
في نيويورك مثلا، يبلغ طول سلك الإيروڤ (٢٥ ميل) يلف (مانهاتن) كلها، وبهذه الحيلة يتحول الحي بأكمله -في حسهم- إلى سكن خاص لكل يهودي في الحي، بحيث يمكنه حمل أي شيء من بيته والخروج به إلى الشارع؛ أو العكس !!
مع العلم أن تكلفة صيانة إيروف مانهاتن يبلغ مائة ألف دولار سنويا !!
وأمّا تحريم فتح النور وإطفائه يوم السبت؛ فقد تفتق ذهنهم عن حيلة إلكترونية بمفتاح أسموه (Kosher Switch) (مفتاح حلال) .. واعجبا !!
وغير ذلك من الحِيَل كثير !!
وأختم فأقول: مقالي هذا كتبته عن اليهود الأرثوذكس؛ وهم طوائف كثيرة: منهم الحريديم الليتوانيون، والحريديم الحسيديم، وغيرهم، وجميع هذه الطوائف تقرّ بالأعمال التسعة والثلاثين المحرّمة يوم السبت !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وهدانا فيه إلى الوسطية في شرائعه كلها !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..
وقد شهد الأسبوع الثاني عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الثانية عشرة: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: ١٦٢] .. بصوت القارئ الشيخ (أحمد العجمي) ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الثالثة عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر .