التأمل المفيد (٤٧٣) 

الحلقة الرابعة والخمسون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)]

قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْء} [النحل: ٨٩]، قال أهل التفسير: “وقد نَزَّلْنا عليك القرآن توضيحًا لكل أمر يحتاج إلى بيان، كأحكام الحلال والحرام، والثواب والعقاب، وغير ذلك” !!

كم يحزن المسلم على إعراض أرباب الحضارات المادية عن الإقبال على أعظم كتاب في الوجود -القرآن الكريم- الذي قال عنه سبحانه في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْء}، وحُزننا عليهم ينبع من كون رسالة الإسلام رسالة رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧] !!

وفي عصرنا، زاد إعراض أهل الكتاب عمّا كانوا عليه في عهد انطلاق رسالة الإسلام الخاتمة، ذلك أنّ الحسد كان هو دافع كفرهم آنذاك -فقد كانوا لا يزالون يؤمنون بكتبهم المُحرّفة-، قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: ١٠٩]، أمّا اليوم، فأكثرهم ملاحدة؛ لا يؤمنون بالله تعالى ولا بكتبه؛ ويزعمون أن الطبيعة خالقة كل شيء، كما نصّبوا العلم البشري -الذي ينبثق من أروقة الجامعات- إلها يُعبد من دون الله تعالى؛ يُشرِّع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، من ذلك: نظريات في الاقتصاد؛ وأخرى في الحياة الاجتماعية؛ أباحت لهم كل ما حرّم الله تعالى !!

وحين يتفكر المسلم في أسباب الفساد الذي ينخر في مجتمعات الحضارات المادية، ويتذكر في الوقت نفسه أن كتاب الله تعالى تبيان لكل شيء؛ ويمعن التأمل في آيات الكتاب المبين؛ فإنه يخلُصُ إلى نتيجة حتمية: أن كتاب الله تعالى لم يقتصر على بيان أحكام الحلال والحرام المتعلقة بمأكل ومشرب وملبس الإنسان؛ وبيعه وشرائه ونكاحه؛ وموجبات ثوابه وعقابه فقط، كلا .. القرآن الكريم اعتنى كذلك ببيان معان أخرى عظيمة -في آيات كثيرة جدا؛ كما سيأتي بيانه- تقوم وتسود بها المجتمعات ويصلح حالها؛ إذا عملت بمقتضاها؛ أو تسقط وتنحط انحطاطا مدويا؛ إذا تجاهلتها وأعرضت عنها !!

وهذا في الحقيقة ما دفعني إلى كتابة هذا المقال؛ وهو مواجهة هذا الانبهار بالعلم -لدى تلك المجتمعات- بآيات من كتاب ربي الذي وصفه بقوله -{تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْء}-، آيات تُسقِط بنيان حضارتهم من قواعدها؛ ويضمحل بها افتتانهم بعلمهم الذي ألّهوه؛ لعلّهم بعد هذا البيان أن يهتدوا إلى صراط الله العزيز الحميد !!

وفيما يلي تأمل في نصوص مختارة من الوحي المطهر؛ لبيان بطلان ما تبنوه من فلسفات البشر وتخرصاتهم، فأقول وبالله التوفيق:

أولا:

جهلهم بإمكانية الجمع بين الانقياد للخالق العظيم؛ وبين التقدم في العلوم المادية المختلفة، وقع ذلك حين حرموا أنفسهم من نعمة الإيمان بالقرآن الكريم؛ وفاتهم تأمل هذا النص من الوحي المطهر:

قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: ٨٣] !!

هذا هو ديدن أهل الضلال في عصرنا؛ إذا ما دُعوا إلى عبادة الله تعالى وحده؛ أعرضوا -فرحين بما عندهم من علم؛ وخاصة بعد أن جعلوا هذا العلم إلها؛ وحكّموه في شؤون حياتهم كلها-، ونسوا بأن خالقهم سبحانه هو من ذلّل لهم هذه الأرض؛ وحثهم على استخراج خيراتها -وما ينتج عن ذلك السعي في الأرض من علوم مادية مختلفة-، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: ١٥]، وما علموا كذلك أن عبادة الله تعالى توجِّه هذه العلوم المادية إلى وجهتها الصحيحة؛ بفضل منهج الله القويم؛ الذي حث على كل خير؛ وحذّر من كل شر، وأن رفض منهج الله تعالى قادهم -مع تقدمهم العلمي- إلى الفساد والانحطاط الكبير الذي بات ظاهرا للعالمين !!

ثانيا:

الجهل بأن من يخلق -سبحانه- هو أعلم بما يصلح من توجيهات لمن خَلَق، وقع ذلك حين حرموا أنفسهم من نعمة الإيمان بالقرآن الكريم؛ وفاتهم تأمل هذا النص من الوحي المطهر:

قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}[الأعراف: ٥٤] !!

إذ كل العقلاء متفقون على أن من يصنع آلة أو جهازا؛ فهو أولى بوضع برامج صيانته؛ وطرق إصلاحه، وهذه بدهية صحيحة؛ أوضحها الله في جزء من آية -{أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}-، وهذه البدهية ستُخرِج الكثير من الملاحدة -إذا قرؤوها من القرآن الكريم؛ وآمنوا بها- من ظلمات الكفر بالخالق العظيم؛ إلى الاستسلام له؛ والانقياد لشرعه القويم !!

ثالثا:

الانحطاط بالإنسان، بدلا من تكريمه؛ وقع ذلك حين حرموا أنفسهم من نعمة الإيمان بالقرآن الكريم؛ وفاتهم تأمل هذا النص من الوحي المطهر:

*قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: ٧٠] !!*

الإنسان المُكرّم من الله تعالى؛ والمُفضّل على كثير ممن خلق؛ هو في الحضارات المادية مجرد مورد بشري؛ مثله مثل باقي الموارد الأخرى؛ كالموارد المالية؛ والمنشآت؛ والحواسيب؛ التي تحتاجها الشركات لتحسين الإنتاج وزيادة الأرباح، بل الأدهى من ذلك؛ أنهم صمّموا له نظام حياة بشري قاصر آثم -يمارسه بحرية بعد ساعات العمل-، سمحوا له فيه حتى بمخالفة الفطرة؛ بالإباحية؛ والشذوذ الجنسي؛ والخمور؛ والقمار؛ وسائر الموبقات !!

رابعا:

عكسوا المفاهيم؛ كما لو كان الظلام -في حسهم- والنور سواء؛ أو الأعمى والبصير سواء، بل تعدوا ذلك بأن فضّلوا الظلام على النور؛ والأعمى على البصير، وقع ذلك حين حرموا أنفسهم من نعمة الإيمان بالقرآن الكريم؛ وفاتهم تأمل هذا النص من الوحي المطهر:

{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ • وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} [فاطر: ١٩-٢٠] !!

من مفاهيمهم المعكوسة؛ رفض نور الإسلام؛ بل عدّوه ظلاما ورجعية؛ كما عدّوا تعامل الإسلام الراقي للمرأة استعبادا لها، وهكذا ينظرون إلى الشريعة وأحكامها -المبنية على علم الله تعالى وحكمته- عدّوها أحكاما لا تناسب العصر !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ ونزّل القرآن الكريم تبيانا لكل شيء !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع الحادي عشر ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الحادية عشرة: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة : 131].. بصوت القارئ الشيخ (أحمد العجمي) ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الثانية عشرة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..