التأمل المفيد (٤٦٧)

الحلقة الثامنة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: ١٨] !!

لا يوجد مُبغض لجرائم الكراهية ومُحرِّما لها كالإسلام -دين السلام-، حيث أمر الله تعالى المؤمنين بالبر حتى بالكفار -الذين لم يقاتلونا؛ ولم يخرجونا من ديارنا-؛ وبالعدل فيهم؛ والإحسان إليهم؛ وإكرامهم، قال تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨] !!

بل إن الإسلام قد جعل إخراج الكفار من الظلمات إلى النور من غاياته الكُبرى؛ حتى ينعموا بالحياة الطيبة كتلك التي يهنأ بها كل مسلم، قال تعالى: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: ١]، وبالرغم من كون الدعوة إلى الله تعالى تحتاج إلى بذل الجهد والمال والوقت؛ إلا أن المسلم يبذل كل ذلك ابتغاء مرضاة الله؛ ثم رحمة بالكافرين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧] !!

هذا هو الإسلام -دين الحق- وأمّا من خرج عن جادة الصواب من أبناء المسلمين -وتسبب في تأجيج جرائم الكراهية القائمة أصلا من قِبَل اعداء الإسلام- فهذا لا يمثل الإسلام من قريب ولا بعيد، ويبقى الإسلام -بالوحيين؛ وبإجماع علماء المسلمين- سليما نقيا محفوظا، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: ٩] !!

والمدهش في كتاب ربنا تعالى؛ أنه زاد على تحريم جرائم الكراهية؛ بأن عرّفنا كذلك بأعدائنا، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: ٤٥]؛ الذين تطفح قلوبهم بالحقد على أهل الإسلام؛ لا لشيء إلا لاتِّباعنا الحق من ربنا، بل ويمارسون علينا أبشع جرائم الكراهية؛ كما جاء ذلك في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس: ١٨]، قال أهل التفسير: “قال أهل القرية: إنا تَشَاءَمْنا بكم، لئن لم تكُفُّوا عن دعوتكم لنا لنقتلنكم رميًا بالحجارة، وليصيبنكم منَّا عذاب أليم موجع” !!

هذا، وإن ممّا دعاني إلى الكتابة عن موضوع “جرائم الكراهية تجاه الإسلام وأهله”؛ هو أن بعض  المسلمين قد يذهب به الظن إلى أن الكراهية للإسلام وتخويف الناس منه من قِبَل الحضارات المادية اليوم -وهو ما يسمى في إعلامهم “الإسلاموفوبيا” (Islamophobia)-؛ يظن بعض المسلمين أنه أمر طارئ على الحضارة الغربية؛ تسبب فيه بعض أبناء المسلمين؛ لمجانبتهم تعاليم الإسلام السمحة، لذا أقول من ظن ذلك فإنه قد جانب الصواب؛ وفاته أن يدرك أن تخويف الناس من الإسلام وأهله؛ إنما هو تقليد من قِبَل  أعداء الإسلام -منذ الأزل- لإبليس الرجيم؛ في نظرته الدونية إلى البشرية، قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: ١٢] !!

فكما نظر إبليس إلى البشرية نظرة دونية؛ كذلك نظر أعداء الإسلام إلى أهل الحق نظرة دونية؛ حملت معها الكراهية والتخويف والأذى والقتل لهم؛ طوال مراحل الصراع بين الحق والباطل !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

ما ألوان جرائم الكراهية والتخويف والترهيب التي يمارسها الأعداء تجاه الإسلام وأهله على مر العصور ؟

الجواب:

قص لنا القرآن الكريم ألوانا من جرائم الكراهية والتخويف من دين الإسلام -الذي هو دين جميع الرسل عليهم السلام- التي مارسها أهل الباطل، وفيما يلي ثلاثة منها:

أولا:

النظرة الدونية لأهل الإسلام؛ وممارسة جرائم الكراهية ضدهم؛ وذلك بالاستعلاء على أهل الحق؛ وأنهم -أي أعداء الإسلام- أدرى وأفهم لِما يصلح وما لا يصلح للناس في تنظيم أمور حياتهم كلها !!

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: ١١]، وقد صرّح أرباب الفكر في الحضارة المادية -في عصرنا- بضرورة تغيير هويات البلدان الإسلامية لتتوافق مع التصور الغربي الديمقراطي القبيح؛ ومع حريتهم البهيمية .. وهو سلوك استعلائي ظاهر وبيّن !!

ثانيا:

النظرة الدونية لأهل الإسلام، وممارسة جرائم الكراهية ضدهم؛ بازدراء دين الإسلام؛ وأن على المسلمين اتباع ملتي اليهود والنصارى؛ حتى يرضوا عنهم !!

قال تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: ١٢٠]، وإن أكبر شاهد على ازدراء دين الإسلام؛ وحرب أهله؛ هي حملات الحروب الصليبية؛ ومحاكم التفتيش التي نُصِبت للمسلمين؛ والتي لم يمر على تاريخ البشرية أسوأ ولا أجرم منها، ولا زالت حروبهم على أهل الإسلام قائمة !!

ثالثا:

النظرة الدونية لأهل الإسلام -أهل السنة والجماعة- وممارسة جرائم الكراهية ضدهم؛ من قِبَل الطائفة المجوسية الباطنية الصفوية السبئية؛ بادعائهم ألوهية علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ والعصمة لأئمتهم؛ واتهام النبي صلى الله عليه وسلم في عِرضِه؛ وزعمهم أن أهل السنة والجماعة نواصب -أي أظهروا العداء لآل البيت-، وغير ذلك من الانحرافات العقدية، وكان نتاج هذه الطامات حربهم على الإسلام وأهله؛ منذ نشأتهم وحتى يوم الناس هذا !!

وقد حذّر القرآن الكريم من الغلو في الدين، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [المائدة: ٧٧]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلوَّ في الدينِ فإنما أهلَك مَن كان قبلَكم الغلوُّ في الدين) [رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع 2680))] !!

وأختم مقالي فأقول: إن من  أعظم ما تحتاجه الأمة المسلمة؛ لتدفع جرائم الكراهية التي يشنها أعداء الإسلام عليها؛ هو ما وصاها به الله، قال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: ١٢٠]؛ الصبر، والتقوى؛ بطاعة الله تعالى فيما أمر؛ واجتناب ما عنه نهى وزجر !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه حُرمة جرائم الكراهية وقُبحها، كما عرّفنا بأعداء الإسلام بكافة فئاتهم؛ الذين يمارسون جرائم الكراهية ضدنا !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع الخامس ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الخامسة: {ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: ١٣] .. بصوت القارئ الشيخ (علي الخليفي) ..

فهيا نسابق في نشر الآية السادسة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..