التأمل المفيد (٤٦٦)

الحلقة السابعة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى -مخبرا عما يجيب به المعبودون يوم القيامة-: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان: ١٨] !!

نلاحظ موت الآلاف من الكفار يوميا -من مفكرين، وساسة، وأغنياء، وفقراء، وشتى طبقاتهم- ولم يحذروا قبل موتهم من عذاب الله تعالى الذي أعده لهم، فدعونا نتأمل أساليب القرآن الكريم في تحذيرهم من مَغَبّة كفرهم وشركهم، من ذلك:

أنه سبحانه يحشرهم يوم القيامة ومعبوداتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا، ويسأل هذه المعبودات -التي مكّن لها سبحانه السماع والنطق يوم القيامة-: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء عن طريق الحق، وأمرتموهم بعبادتكم، أم هم ضلوا السبيل، فعبدوكم مِن تلقاء أنفسهم؟

فتنطق هذه المعبودات -بقدرة الله تعالى؛ حتى لو كانت أصناما من حجر أو شجر- وترد على سؤال الله تعالى لها؛ كما جاء ذلك في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان: ١٨] !!

ثم بعد أن فضحتهم معبوداتهم -التي أنطقها الله تعالى- وكذبتهم، يقول الله تعالى للمشركين: هذه معبوداتكم تكذبكم، قال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ۚ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: ١٩] .. يا له من تحذير رباني للكافرين مهين، تكذب المعبودات عابديها؛ فلا يستطيعون حينئذ صرفا ولا نصرا، أي لا يستطيعون دَفْعًا للعذاب عن أنفسهم؛ ولا نصرًا لها !!

هذا، وقد كان صلى الله عليه وسلم على يقين تام بقوة تأثير كلام ربه تعالى على النفوس، دل على ذلك حرصه الشديد على إسماع الناس القرآن الكريم، قال صلى الله عليه وسلم للناس بالموقف -يعني في موسم الحج-: (ألا رجل يحملني إلى قومه ؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي) [رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٤٧)] !!

وسبب آخر وراء يقين رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبير بأثر القرآن الكريم على النفوس: هو علمه بأن الله تعالى قد اختص لنفسه؛ بيان أسلوب الدعوة إليه في كتابه الكريم؛ بيانا ربانيا بالغ التأثير، وهذا ما يفسر أمره صلى الله عليه وسلم صحابته -رضوان الله تعالى عليهم- كلما نزل الوحي؛ أن يضعوا الآيات التي أُنزلت في مكانها المأمور به من الله تعالى بين آيات الكتاب الكريم !!

وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه:

ما أبرز أساليب القرآن الكريم في تحذير الكافرين؛ التي قام صلى الله عليه وسلم بإسماعهم إياها؛ فأخرج الله تعالى بها كثيرا منهم من الظلمات إلى النور؛ ومن نيران الجحيم إلى جنات النعيم؛ ومن فساد حياتهم إلى طيبها وأمنها وسلامتها ؟

الجواب:

أساليب القرآن الكريم في تحذير الكافرين من مَغَبّة كفرهم؛ كثيرة ومتنوعة، وفيما يلي أمثلة لبعضها:

المثال الأول:

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: ١٨٥] !!

تحذر الآية الكريمة كل كافر -ممّن لا يشدّه خلْق السماوات والأرض؛ وغيرها من المخلوقات التي لا تعد ولا تُحصى- أن يمضي به العمر؛ وتمر به السنون وهو يرى هذه السماوات والأرض بدون إيمان بخالقهما العظيم -{وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}- فإذا ما مات وهو على تلك الحالة من الذهول والإنكار لخالق السماوات والأرض؛ كبّه الله تعالى في النار !!

والآية الكريم الكريمة تلامس أمرًا حيويا يعرفه معرفة يقينية كل إنسان -وهو التقدم في العمر- فيُحدِث هذا الأسلوب القرآني يقظة وهزة في النفوس؛ سواء قَبِل الإنسان الحق من وراء هذا التذكير؛ أو رده ورفضه .. نعوذ بالله من الخذلان !!

المثال الثاني:

قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ • خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُون} [القلم: ٤٢-٤٣] !!

حذّر القرآن الكريم الكافرين والمنافقين من عدم قدرتهم على السجود له سبحانه يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل، إذ كانوا يتكبرون عن السجود في الدنيا؛ أو يسجدون رياء وسمعة؛ وليس إخلاصا لله تعالى !!

والمدهش أن السنة المطهرة أتت بوصف دقيق لما يحصل يوم القيامة لِظهْر الكافر والمنافق من تصلُّب؛ يمنعه من السجود، قال صلى الله عليه وسلم: (يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا) [رواه البخاري (٤٩١٩)].. نعوذ بالله من غضب الله !!

المثال الثالث:

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: ٥٦] .. نعوذ بالله من عذاب الله !!

سبحانك ربي ما أعظمك! فقد أخذ أثر التحذير للكافرين -في الآية الكريمة الآنفة الذكر- منحى جديدا في عصرنا، حيث إن العلم الحديث -الذي توصل إلى أن مستقبلات الإحساس بالألم تتركز في الجلد- قد وافق التحذير الوارد في الآية الكريمة: -{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}- ممّا جعل البروفيسور تاجاثات تيجاتسين -أستاذ التشريح بجامعة شيانغ ماي بتايلاند- يبدي إعجابه الشديد بهذا التوافق عند سماعه الآية الكريمة في مؤتمر للإعجاز العلمي .. سائلين الله تعالى له الهداية !!

ولو تتبعنا آيات الكتاب المبين؛ لوجدنا الكثير من أساليب تحذير الكافرين من مغبّة كفرهم وشركهم؛ لا تقل تأثيرا وتخويفا عمّا سبق ذكره !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه الأساليب القرآنية المخيفة في تحذير الكافرين من مَغَبّة كفرهم؛ وكذلك ما يحصل لنا -نحن المسلمين- من الخوف والخشية من عذاب الله وسخطه؛ عند تدبرنا لهذه الآيات الكريمات !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

*اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!*

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت ..

وقد شهد الأسبوع الرابع ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الرابعة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٤] .. بصوت القارئ الشيخ أحمد العجمي ..

فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الخامسة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..