التأمل المفيد (٤٦٤)

الحلقة الخامسة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: ٩٦]، قال أهل التفسير: “فلقيهم إبراهيم بثبات قائلا كيف تعبدون أصنامًا تنحتونها أنتم، وتصنعونها بأيديكم، وتتركون عبادة ربكم الذي خلقكم، وخلق عملكم؟” !!

يظل حديث القرآن الكريم عن صفة الخلق لله تعالى من أكثر وأعظم الموضوعات تعظيما له سبحانه، حيث جاء بيانه بتعبيرات قرآنية يصعب على القارئ لكتاب الله تعالى المرور عليها بدون تأمل وتدبر لها، كقوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل : ١٧]؛ وقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: ٣٥]؛ وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٨]، وغيرها من الآيات الكريمات كثير في كتاب الله العزيز !!

هذا، وقد أدّبنا القرآن الكريم؛ والسنة المطهرة؛ أدبا جمّا عند الحديث عن صفة الخلق لله تعالى -قد لا ينتبه له البعض- وهو أن نؤمن ونعتقد أن الله تعالى خالق الإنسان وعمله؛ كما جاء في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: ٩٦]؛ وكذلك ما جاء في الحديث الشريف، قال صلى الله عليه وسلم: (خَلَقَ اللهُ كُلَّ صانِعٍ وصنْعَتِهِ) [رواه البيهقي، والحاكم، والبزار، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1777)] !!

وقلت أدّبنا القرآن الكريم بذلك؛ لأنه من الطبيعي أن نعزو ما يصنعه الإنسان -من ترتيب وتركيب للمواد الخام؛ التي خلقها له الله تعالى؛ كصناعه الطائرة مثلا-؛ من الطبيعي أن نقول: الطائرة من صنع الإنسان، لكن يبقى في نفوسنا هذا الأدب الإيماني الجم راسخا بأنّ الله تعالى خلقنا وما نعمل، ورسوخ هذا الأدب في نفوسنا جاء كذلك في قوله تعالى: {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [يس: ٤٢]، قال ابن القيم: “ومعلوم أن السفن إنما ينجر خشبها ويركبها بنو آدم، فالفلك معمولة لهم كما هي الأصنام معمولة لهم وكذلك سائر ما يصنعونه من الثياب والأطعمة والأبنية، فإذا كان الله قد أخبر أنه خلق الفلك المشحون وجعل ذلك من آياته ومما أنعم الله به على عباده: عُلِم أنه خالق أفعالهم”[شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 55)] !!

وإن ممّا دعاني إلى كتابة هذا المقال؛ هو كثرة الصناعة في زماننا -خاصة في الحضارات المادية- حتى أنهم سمّوا انفتاح باب الصناعة عليهم (بالثورة الصناعية)، وقد فتنتهم هذه الصناعات المختلفة عن الدين الحق، بل أسّسوا حياتهم بعد ذلك -بسببها- على إقصاء الدين عن الحياة -وهي العلمانية الفّجة التي صارت لهم منهج حياة-، وقد جهلوا أنّ صناعاتهم -التي لا يُحصى عددها؛ والتي نجدها منشورة على الشبكة العنكبوتية؛ بتفاصيل دقيقة- ما قامت إلا على مواد خلقها الله تعالى؛ وسخرها لهم !!

وقد يسر الله تعالى للتعرف على بعض هذه الصناعات؛ عن طريق الكم الهائل من المعلومات المنشورة على الشبكة العنكبوتية -وهي تفاصيل دقيقة لشتى أنواع الصناعات المختلفة؛ وخاصة المُكَوِّن الأساس لكل صناعة؛ وهو الذي أودعه الخالق سبحانه خصائص لا قدرة للبشر على إيجادها-، والجميل أنها معلومات فيها من التعظيم للخالق سبحانه ما دفعني إلى الكتابة عنها، وفيما يلي أسوق مثالين فقط على ذلك، فأقول وبالله التوفيق:

المثال الأول:

صناعة الرقائق الإلكترونية:

الرقائق الإلكترونية تدخل في صناعة أجهزة لا تُحصى في عصرنا؛ من ذلك: الجوالات، والأجهزة الطبية، والسيارات الحديثة، والحواسب، وغيرها كثير !!

المُكَوِّن الأساس هو عنصر “السيليكون”؛ الذي خلقه رب العالمين؛ بالخصائص التي جعلته صالحا لصناعة الرقائق الإلكترونية؛ وذلك بعد تنقيته، وتتصدر اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية الدول في تنقية السيليكون بدرجة ما يسمى (9N)، بينما تتصدر تايوان الدول في تحويل هذا السيليكون النقي إلى رقائق ومعالجات إلكترونية !!

وقد جعل الله تعالى لعنصر السيليكون المنقى (9N) خاصية فريدة، فهو في أصله عازل كهربائي؛ ولكن بالإمكان تحويله إلى موصل للكهرباء بالتحكم به، على عكس النحاس الذي هو موصل فقط؛ والبلاستيك الذي هو عازل فقط .. وهذه الخاصية جعلته المادة المثالية -منذ الستينيات الميلادية- لصنع الرقائق الإلكترونية وما فيها من مليارات الترانزستورات .. فسبحان خالق الصانع وصنعته !!

المثال الثاني:

صناعة المكيفات:

لا تكاد تخلو أي منشأة يوجد فيها الناس -سواء كانت سكنية؛ أو أسواقا كبيرة وغيرها؛ في أجواء الصيف الحارة- لا تكاد تخلو من المكيفات !!

وقد سخر الله تعالى لنا غازات التبريد -كالفريون- بخصائصها المذهلة؛ تجري في أنابيب دقيقة؛ فإذا ضغطها الضاغط -(Compressor)- ثم أطلقها صمام التمدد فجأة؛ بردت حتى تكاد تصير جليداً؛ فتسحب من هواء الغرفة لفح الحر؛ وترده نسيماً بارداً؛ وهكذا دواليك في دورة محكمة لا تنقطع !!

وقد ميز الله تعالى غاز الفريون بخصائص؛ منها:

سمّيته -من السم- منخفضة جداً !!

ليس له رائحة !!

خامل كيميائيا؛ فلا يتفاعل مع أنابيب النحاس التي يجري فيها !!

درجة غليانه منخفضة جدا؛ ٥٠ درجة مئوية تحت الصفر، وهي الشرط الأساس للتبريد؛ يتبخر بسرعة؛ ويمتص حرارة المكان !!

فسبحان خالق الصانع وصنعته !!

وأختم مقالي فأقول: صدق الحق القائل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: ٨٢]، فسبحان من خلق لكل صناعة من هذه الصناعات التي ضربتها كأمثلة -وغيرها كثير- مُكَوِّنا أودعه الخالق خصائص لا قدرة للبشر على إيجادها؛ وقال له: “كن” فكان، وجميع مكونات الصناعات المختلفة من آثار صفة الخلق لله، قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: ٦٢] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه أنه سبحانه خالق الناس وما يعملون !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الل وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت، بصوت القارئ الشيخ عبدالله خياط ..

شهد الأسبوع الثاني ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الثانية: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: ١٠٣] ..

وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر .