الحلقة الرابعة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: ١١٨]، قال ابن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير: “ولو شاء لخلق العقول البشرية على إلهام متحد لا تعدوه، كما خلق إدراك الحيوانات العُجْمِ على نظام لا تتخطاه من أول النشأة إلى انقضاء العالم، فتجد حال البعير والشاة في زمن آدم -عليه السلام- كحالهما في زماننا هذا، وكذلك يكون إلى انقراض العالم، فلا شك أن حكمة الله اقتضت هذا النظام في العقل الإنساني -أي الاختلاف- لأن ذلك أوفى بإقامة مراد الله تعالى من مساعي البشر في هذه الحياة الدنيا الزائلة المخلوطة .. وقال: ولما أشعر الاختلاف بأنه اختلاف في الدين، وأن معناه العدول عن الحق إلى الباطل؛ لأن الحق لا يقبل التعدد والاختلاف، عقِّب عموم {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} باستثناء من ثبتوا على الحق ولم يخالفوه بقوله {إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ}, أي عصمهم من الاختلاف”[التحرير والتنوير (١٢/ ١٨٨)] !!
الحمد لله على حكمته البالغة في جعل الناس مختلفين؛ كما قال سبحانه في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} !!
بداية أقول: إنه مع إيماننا بأن وعد ربنا -في قضائه وقدره الكوني- سيتحقق بملء جهنم من الجنة والناس أجمعين؛ من الذين اتبعوا إبليس وجنده، قال تعالى في الآية التالية لآية التأمل: {إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: ١١٩]، حيث اختار أهل النار الكفر في الدنيا -بما مكنهم سبحانه من مشيئة؛ وإرادة حرة-، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: ٢٩]، مع العلم أن الله تعالى بيّن أنه لا يرضى لعباده الكفر، قال تعالى: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: ٧]، وهذا متسق مع آيات الكتاب الحكيم التي تدعو إلى الإيمان بالله العظيم !!
أقول: مع إيماننا بأن جهنم ستُملأ بالمتمردين على الله تعالى؛ فإنني أجد نفسي -كوني مسلما- ملزما بأن أدعو إلى الله تعالى بما ييسر سبحانه من طرق دعوية -لإخراج من شاء الله له الهداية من الظلمات إلى النور-؛ من ذلك الحديث عن اختلاف الناس في قدراتهم العقلية؛ وكيف ترفع قدرات الفرد ميزانه بالعمل الصالح؛ إن كان من مجتمع مؤمن بالله العظيم؛ وبمنهجه القويم؛ وأخلص في عمله لله تعالى؛ فيكون ممّن شملته رحمة الله، قال تعالى: {إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} !!
وفي المقابل كيف تخفض قدرات الفرد العقلية ميزان أعماله فتكون هباء منثورا؛ إن كان من مجتمع لا يؤمن بالله العظيم، فأقول وبالله التوفيق:
أولا: المجتمعات المسلمة: المثال الأول:
بالرغم من اختلاف الناس في قدراتهم العقلية؛ فإن البشرية -في القرون العشر الأُول من تاريخها- لم يمنعها ذلك الاختلاف أن تعيش حياة آمنة مطمئنة؛ حين تمسكت بالتوحيد؛ وعبدت خالقها العظيم، قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} [البقرة: ٢١٣]، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين”[تفسير الطبري (4/ 275)] !!
لقد وجّه آدم عليه السلام اختلاف عقول ذريته في تلك القرون -وِفق منهج خالقهم العظيم- وجهها نحو بناء مجتمع صالح وآمن، وهي قرون سلِمت فيها الفِطَر من كيد شياطين الجن والإنس؛ وضعُف فيها كيد الشيطان؛ حين لم يجد له أعوانا من الإنس -كما هو الحال في عصرنا- بل على العكس تماما، إذ تضافرت قدرات عقول ذريته -عليه السلام- جميعا إلى إصلاح مجتمعهم؛ وتنافسوا في الأعمال الصالحة -وإن بدرت منهم بعض الذنوب والمعاصي التي لا ترقى إلى درجة الشرك- ومن ثم نجحوا في الاختبار والابتلاء؛ الذي جعله الله تعالى سنة هذه الحياة الدنيا !!
ومثال آخر عن المجتمعات المسلمة:
في القرون المفضلة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (خيرُ الناس قرْني, ثمَّ الَّذين يلونَهم, ثمَّ الَّذين يلونَهم) [متفق عليه]، دفع التمسك بالتوحيد؛ وبمنهج الله تعالى القويم المجتمع -على اختلاف قدرات أفراده العقلية- إلى إيجابيات عظيمة؛ أخرجت لنا مجاميع كثيرة من المسلمين العظماء؛ كل مجموعة منهم تميزت بإنجازات لا توجد في غيرها، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
علماء كثيرون تميزوا في قدرات الفهم والحفظ؛ فحفظ الله تعالى بهم علوم الإسلام؛ وسطروها للأجيال في مجلدات لا يحصى عددها ولا موضوعاتها !!
وكان في تلك القرون المفضلة قادة عظماء في الفروسية؛ منهم من أسند إليهم صلى الله عليه وسلم -في حياته- قيادة الجيوش؛ كعمرو بن العاص؛ وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، وغيرهما من قادة الفتوحات كثير خلال تلك القرون !!
كما ظهر علماء في العلوم المادية المختلفة؛ استفاد منهم الغرب أيما استفادة: كالخوارزمي؛ وابن الهيثم، وغيرهما كثير !!
وفي ظل توحيد رب العالمين؛ واتِّباع منهجه القويم، وجّهت قيادات المجتمعات المسلمة هذه القدرات المختلفة لما فيه صلاحها؛ وصلاح البشرية، وكم سعُدت البشرية بالحضارة الإسلامية العظيمة ؟!!
ثانيا: مجتمعات الحضارات المادية:
مع إدراكنا بوجود قدرات عقلية هائلة في مجتمعات الحضارات المادية؛ وُظِّفت في مجالاتها التي تحسنها؛ فخرجوا بهذه الإنجازات المادية الضخمة، أقول مع إدراكنا لكل ذلك؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه:
ما السبب إذن في انحدار هذه الحضارات إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ البشرية؛ وانبعاث الشر المستطير منها؛ وما يحمله من الدمار والخراب ؟
الجواب:
السبب الأوحد والرئيس لذلك: هو تمردهم على خالقهم العظيم؛ وتبنيهم منهج حياة من عند أنفسهم، وهذا أمر لا تنفع معه توجيه القدرات إلى مجالاتها التي تحسنها لسببين:
السبب الأول:
أن كل فرد في تلك الحضارات مطلوب منه عبادة الله وحده؛ واتِّباع منهجه، ولا ينجيه من عذاب جهنم إبداعه بقدراته العقلية؛ ومشاركاته في النهضة المادية في بلده !!
السبب الثاني:
أن ما ينتج من تقدم مادي جرّاء هذه القدرات العقلية الجبارة التي يمتلكها أفراد من مجتمعات الحضارات المادية؛ مآله إلى قرارات شرذمة الملأ المجرمين المتنفذين، حيث يوجّهون هذا التقدم نحو دمار البشرية -بالحروب؛ وبنشر قيمهم الخاطئة المشينة- وواقعهم المعاصر أكبر دليل وشاهد على ذلك !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه أن حكمته البالغة سبحانه اقتضت أن يكون الناس مختلفين !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
نواصل الحديث -بعون الل وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت، بصوت القارئ الشيخ سعد الغامدي ..
شهد الأسبوع الأول ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الأولى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران: ١٨] ..
وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..