الحلقة السادسة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: ٦١] !!
من المصطلحات التي انحرف عن فهمها الصحيح أرباب الحضارات المادية مصطلح: “عمارة الأرض”، حيث صوروه للناس بأنه: المدن التي عانق بنيانها السحاب؛ بمطاراتها الحديثة؛ وشبكات طرقها الرصينة؛ وحدائقها الغناء، وقد كان لبريق هذه المنشئات المادية وجاذبيتها؛ دافع لكثير من الدول بتكرار هذا التصور لعمارة الأرض في مدنها، وصارت تتباهى بناطحات سحابها؛ وتجعلها دليلا على تحضرها وتقدمها !!
وليست الإشكالية عندنا فيما يبنون أو يشيّدون -فإن إتقان العمل في تشييد البنيان مطلب مهم في ديننا؛ للحفاظ على أمن وسلامة الأرواح والممتلكات-؛ وإنما الإشكالية في جهلهم بأن عمارة الأرض تكليف إلهي قائم على طاعة الله تعالى؛ كما جاء في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: ٦١] !!
وكذلك جهلهم بأن سلوك الناس في هذه المدن؛ أفرادا ومجتمعات:
إمّا أن يكون وِفق منهج الله تعالى ومرضاته؛ فيسعد الناس به، قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [هود: ٥٢] !!
أو وِفق منهج تحكمه أهواء البشر وتخرصاتهم؛ فيحيل عمرانهم إلى دمار، وهو ما حكاه القرآن الكريم عن قوم اهتموا بعمارة الأرض دون الإيمان بالله العظيم؛ واتِّباع منهجه القويم؛ فساءت عاقبتهم؛ قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: ٩]، وكذلك قال تعالى عن عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء: ١٢٨] !!
وحيث إن الإفساد في الأرض -باتِّباع المناهج الباطلة- يعد الأمر الأخطر في موضوع إعمار الأرض؛ فقد جاء التحذير منه في مواطن كثيرة في القرآن الكريم؛ من ذلك:
قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: ٥٦]، قال أهل التفسير: “ولا تُفْسدوا في الأرض بأيِّ نوع من أنواع الفساد، بعد إصلاح الله تعالى إياها ببعثة الرسل -عليهم السلام- وعُمْرانها بطاعة الله” !!
وقال تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} [الحج: ٤٥]، قال أهل التفسير: “فكثيرًا من القرى الظالمة بكفرها أهلكنا أهلها، فديارهم مهدَّمة خَلَتْ مِن سكانها، وآبارها لا يُستقى منها، وقصورها العالية المزخرفة لم تدفع عن أهلها سوء العذاب” !!
والسؤال الذي يطرح نفسه:
ما أبرز مظاهر الإفساد الكبيرة في مجتمعات الحضارات المادية؛ التي كان سببها المفهوم الخاطئ لعمارة الأرض ؟
الجواب:
لا شك ولا ريب أن أساس كل انحراف عقدي أو عملي لدى الحضارات المادية هو شركهم بالله العظيم؛ واتِّباع المناهج البشرية القاصرة؛ والتفاخر بالحرية البهيمية المنحرفة، وما تصورهم الخاطئ لعمارة الأرض إلا نتاج لذلك الشرك، وفيما يلي مظهران فقط من أبرز مظاهر الإفساد في عمارتهم للأرض:
المظهر الأول:
الطبقية والعنصرية المقيتة؛ التي حلت بدلا عن ميزان التفاضل الرباني بين الناس؛ التقوى، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: ١٣]، وقد اكتوت البشرية بنار العنصرية؛ وقامت بسببها حروب عالمية -ولا تزال الحروب قائمة-، وها هو الكيان الغاصب يمارس أبشع أنواع الإبادة الجماعية في غزة بسبب عنصريته الإجرامية .. حقا إنهم يدمرون الأرض بعنصريتهم ولا يعمرونها !!
المظهر الثاني:
من أبرز مظاهر الإعمار الخاطئ: الإفساد الاقتصادي؛ الذي زاد على التعدي على حرمات الله تعالى؛ من ربا، واحتكار، وغير ذلك من المحرمات في التعاملات المالية؛ إلى سرقة الدول الاستعمارية لموارد دول فقيرة؛ كما هو حاصل لبعض الدول الإفريقية، وصار جمع المال غاية كثير من الناس -سواء أكان من حلال أم من حرام-، وانهارت لديهم قيم التكافل الاجتماعي؛ خلافا لما أمر الله، قال تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: ١٩] !!
وأختم مقالي فأقول: لدينا نحن المسلمين ما تفتقده الحضارات المادية في باب إعمار الأرض -وهو المنهج الرباني الذي يقود الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة-، وهذا للأسف الشديد عكس ما سطره بعض أبناء المسلمين -من أرباب ما يسمى زورا بالفكر التنويري؛ وما هو بنور بل ظلام وضلال- في حديثهم عن الطريق الذي يقترحونه للّحاق بالحضارة الغربية، قال طه حسين: “علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء، قابلين ما في ذلك من حسنات وسيئات. علينا أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحَب منها وما يُكره، وما يُحمد فيها ويعاب” [كتاب “مستقبل الثقافة في مصر” (ص: ٤٠-٤١)] !!
وأمر آخر مهم يعد معلما في الحضارة الإسلامية: وهو أن سلفنا الصالح لم يهملوا الجوانب المادية أبدا؛ بل قد اهتمّ بها حتى علماء الشريعة؛ حين جمعوا بين العلم؛ والعمل في الحِرف المادية المختلفة -(الزجّاج: نحويا؛ يعمل في إصلاح الزجاج)، (والبزّاز: محدِّثا؛ يعمل في بيع القماش)- مع تقديمهم طلب العلم الشرعي على كل أمر آخر؛ لقناعتهم المتجذرة في النفوس أن لديهم ما يحتاجه العالم كله -الإسلام- رسالة رب العالمين الأخيرة إلى الناس !!
وكيف لا يهتم المسلمون بما يصلح أمر دنياهم؛ ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم يقول: (إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها) [رواه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٤٢٤)]؟؟!! وليس غريبا إذن على الحضارة الإسلامية أن يبرز فيها علماء في مجالات العلوم المادية المختلفة؛ كالخوارزمي، وابن الهيثم، والزهراوي، وغيرهم كثير !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه المنهج الحق لعمارة الأرض !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت، بصوت القارئ الشيخ عبدالله خياط ..
شهد الأسبوع الثالث ولله الحمد انتشارا واسعا للآية الكريمة الثالثة: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعرا: ١٥٨] ..
فهيا نسابق في نشر الآية الكريمة الرابعة لهذا الأسبوع .. وإنما هي حسناتٌ تُجْتَنى، فهنيئا لمن نال منها نصيبا بالنشر ..