التأمل المفيد (٤٦٢)

الحلقة الثالثة والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: ١٥] !!

ألا ما أعظم عناية الإسلام بسلامة منهج المسلم خلال مراحل عمره كلها، إذ بعد خروجه وليدا إلى هذه الدنيا؛ تُشرع له العقيقة، قال صلى الله عليه وسلم: (كلُّ غلامٍ مرتَهَنٌ بعقيقتِهِ تذبحُ عنْهُ يومَ السَّابعِ ويُحلَقُ رأسُهُ ويُسمَّى) [رواه ابن ماجه وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٥٨٠)]، وينشأ في بيت مسلم يحثه على الخير؛ فيؤمر بالصلاة لسبع؛ ويستأذِن للدخول على الرجل وأهله في ثلاثة أوقات؛ وأوصاه ربه الرحيم بالإحسان إلى والديه، ثم إذا ما بلغ سن التكليف أصبح طائعا لله تعالى فيما أمر؛ منتهيا عمّا عنه نهى وزجر، شأنه في ذلك شأن المُكلفين من قبله !!

وحين يشارف المسلم عتبة الأربعين؛ يكون قد أمضى أكثر من عقدين من الزمان منذ تكليفه؛ مستسلما لمنهج خالقه العظيم؛ لتسلم بذلك فطرته من التغيير، إذ هو لا يقرأ إلا الحكمة من الكتاب والسنة؛ ولا يفعل إلا الخير في غالب أحواله؛ وإذا ما أخطأ تاب، قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: ١١٠] !!

ثم تأتي الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَة}؛ لتلفِت المسلم إلى مرحلة مهمة من مراحل عمره؛ وهي مرحلة استحكام قوته؛ وعقله -عند الأربعين- التي يحتاج فيها إلى وقفة صادقة وجادة في تعامله مع خالقه العظيم !!

والمدهش والجميل في حياة المسلم أنه لا يبلغ الأربعين؛ إلا وقد ازداد إدراكه بمحاسن دينه؛ بما رأى وسمع عن ضلالات المِلل الباطلة وتخرصاتها؛ وبما عرف عن تاريخ أمته المسلمة المُشرِّف؛ وأن تلك العظمة ما نالتها إلا بتوحيدها لله تعالى؛ وتمسكها بدينها؛ حتى استحقت أن تكون خير أمة أخرجت للناس، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه} [آل عمران: ١١٠] !!

وعليه، فإن أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه العظيم في هذه المرحلة المهمة من عمره؛ شكره سبحانه على جميع النعم التي منّ بها عليه وعلى والديه؛ كما يدعوه مبتهلا أن يحفظ له توحيده؛ هو وذريته، قال القاسمي في محاسن التأويل: “{حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ} أيِ: استحكم قوته، وعقله: {وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي} أي: ألهمني: {أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ} أي: بالهداية للتوحيد، والعمل بطاعتك، وغير ذلك {وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي} أي: واجعل الصلاح ساريا في ذريتي، راسخا فيهم: {إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ} أي: من ذنوبي التي سلفت مني: {وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ} أي: المستسلمين لأمرك ونهيك، المنقادين لحكمك”[محاسن التأويل (٨/ ٤٤٥)] !!

وبعد، إذا كان هذا هو حال المسلم خلال مراحل عمره كلها -من خير إلى خير- مبتهلا إلى ربه حين يبلغ أشده بذلك الدعاء الطويل -كما مر معنا آنفا-؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه:

ما الوصف الدقيق لمراحل أعمار أفراد الحضارات المادية، وماهي طرائق تفكيرهم -عند بلوغهم الأربعين-، وما الحال التي ينطلقون منها بعد ذلك لقضاء ما تبقى لهم من العمر في هذه الدنيا ؟

الجواب:

إن أصل البلاء فيما يمر به غير المسلمين من توجيهات خاطئة خلال مراحل عمرهم كلها؛ إنما هو نتاج تمردهم على خالقهم العظيم، حيث مقتهم الله تعالى لكفرهم؛ وتوعدهم بالخسارة والبوار، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا} [فاطر: ٣٩] !!

يخرج المولود إلى الدنيا في تلك المجتمعات المادية مشكوكا في أمره؛ هل جاء على إثر زواج؛ أو هو نتاج العلاقات المحرمة المستباحة لديهم -حيث الفاحشة هي الأمر الطبيعي هناك؛ ومن لم يمارسها يُعد نشازا-؟! ثم يُنشّأ على الانضباط ما دام طفلا -مع معاصرته لانفلات مجتمعه الأمني والاجتماعي؛ الذي سيترك حتما ترسبات سلبية في نفسه-، ثم يمر بفترة المراهقة الصعبة؛ في مجتمعات ألِفت التبرج والسفور والاختلاط، ثم يُسمح له بعد الثامنة عشرة بشرب الخمور وممارسة العلاقات المحرمة، ثم تمر عليه السنون بعد ذلك؛ وجُلّ همّه اغتنام شبابه في اللهو والمجون -خاصة في إجازات نهاية الأسبوع؛ في البارات والملاهي الليلية-، وقد يستمر في مسيرته التعليمية؛ وقد ينقطع عنها، وسرعان ما يجد نفسه على مشارف الأربعين !!

في مرحلة الأربعين لا يحظى الفرد في تلك المجتمعات المادية بتوجيهات رب العالمين العلي الحكيم؛ كما جاء في آية التأمل -لعدم إيمانهم به سبحانه؛ ولا بكتابه المبين- وإنما ينغمسون في عبادة المال؛ الذي حذر صلى الله عليه وسلم من عبوديته فقال: (تعِس عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهم) [رواه البخاري (٢٨٨٦)]، وحقا لقد استعبد المال قلوبهم؛ فهو حاضر في تفكيرهم ليلا ونهارا؛ سرا وجهارا؛ لا جنة تهمهم بعده ولا نار، وبسبب هذه العبودية ينقسم المجتمع إلى: أغنياء قلة؛ وفقراء كُثُر، أغنياء مليونيرات ومليارديرات؛ وفقراء بعضهم مشردون لا مأوى لهم (Homeless)؛ بعد أن فقدوا قيمة التكافل بينهم !!

لقد فات هؤلاء الماديين قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال: “يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ ؟”، قالَ: (مَن طالَ عمرُهُ، وحَسنَ عملُهُ)، قالَ: “فأيُّ النَّاسِ شرٌّ ؟”، قالَ: (مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ) [رواه الترمذي وأحمد، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٣٣٠)] !!

وكان نتاج ذلك أن طالت أعمار أفراد تلك المجتمعات في المعاصي -وأعلاها الكفر بالله- فتفككت الأُسر؛ ولم يعد للكبير الهيبة ولا الحكمة -كما في الأُسر المسلمة- بل آل أمر الكثير من كبار السن منهم إلى دار العجزة؛ ينتظرون النهاية الحتمية؛، ولا يقطعون أوقاتهم بذكر الله تعالى ورجاء جنته؛ وإنما يمضونه في مشاهدة التلفاز؛ أو أفلام النتفلكس .. حقا إنه بؤس وأي بؤس !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ ووجهنا فيه للتي هي أحسن في جميع مراحل عمرنا !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

لعلنا ننتفع جميعًا ونؤجر .. انسخ وانشر المقال؛ وانشر رابط الآية الكريمة الأسبوعية التي تجدها في قسم “آيات مختارة من القرآن المجيد” في مدونة فؤاد قاضي على النت، بصوت القارئ الشيخ فارس عباد ..