التأمل المفيد (٤٦١)

الحلقة الثانية والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: ٧٩] !!

ألا ما أعظم كلام ربنا تعالى وما أحكمه! فقد بيّن سبحانه للأنبياء -عليهم السلام- في آية كريمة واحدة؛ أخطر أمر يُؤذِن بدمار البشرية وانحطاطها؛ والذي ينبغي عليهم ألا يسلكوه؛ وأن يُحذِّروا أتباعهم منه، كما بيّن لهم سبحانه -في نفس الآية- أعظم وأهم موضوع يجب غرسه وترسيخه في نفوس أتباعهم، إذ فيه النجاح والفلاح للبشرية جمعاء، وفيه رفعتها وسعادتها !!

أمّا الأمر الأخطر والأقبح؛ والذي ينبغي على الأنبياء -عليهم السلام- عدم سلوكه؛ وتحذير أتباعهم منه؛ هو استعباد البشر للبشر، قال تعالى في صدر الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ} !!

وفي المقابل فإن الأمر الآخر العظيم؛ الذي أمر الله تعالى به المرسلين -عليهم السلام-؛ هو ضرورة تربية أتباعهم على حمْل قضية الإسلام؛ وحمْل المسؤوليات المترتبة على ذلك، حيث أمرهم سبحانه أن يقولوا لأتباعهم -كما جاء في آية التأمل نفسها-: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ}؛ قال أهل التفسير: “كونوا -أي يا أتباع الرسل- حكماء فقهاء علماء بما كنتم تُعَلِّمونه غيركم من وحي الله تعالى”، وهكذا هم حملة الدين بحق وصدق؛ لا يألون جهدا في نيل الحكمة والفقه والعلم في الدين -حتى يقوموا بحقه- فأمانة الدين نأت عن حملها السماوات والأرض والجبال !!

وحتى ندرك الأثر البالغ لهذين الأمرين النقيضين -حمْل همّ الإسلام ونشره؛ وعبودية البشر للبشر- على الناس؛ فإن القرآن الكريم بيّن لنا أن هذين النقيضين شكّلا تاريخ البشرية الطويل؛ من خلال سرد قصص الأنبياء -عليهم السلام- وما قابلوه من عداوة المناوئين لهم .. فهذا فرعون -ومن هو على شاكلته- مثال لاستعباد البشر للبشر، حكى لنا القرآن الكريم قول فرعون وملئه: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: ٤٧]، وفي المقابل حمّل موسى عليه السلام قومه المسؤولية تجاه دينهم، حكى لنا القرآن الكريم قول موسى عليه السلام لقومه: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: ١٢٨]، وهكذا الأمر مع سائر الأنبياء عليهم السلام !!

وحيث أني قد اخترت الحديث هنا عن حمْل أتباع الرسل -عليهم السلام- لمسؤوليات الدين الحق؛ والنهوض به؛ دون موضوع عبودية البشر للبشر؛ فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه:

كيف أثّرت هذه التربية النبوية العظيمة على أتباع الرسل -عليهم السلام- حتى جعلت منهم قمما في النهوض بأمر الدين ؟ وكذلك ما هي بعض الأمثلة على ذلك من التاريخ ؟

الجواب:

لا شك ولا ريب أن حمْل أتباع الرسل -عليهم السلام- لقضية الإسلام كان العامل الأكبر في رفع راية الإسلام على مر العصور، فهذا عيسى عليه السلام يطلب من أتباعه حمْل المسؤولية تجاه دينهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: ١٤]، وحين قام الحواريون بتكاليف دين الإسلام؛ نصرهم الله تعالى وأيدهم على عدوهم !!

والمدهش في تحفيز الرسل -عليهم السلام- أتباعهم لِحمْل قضية الدين؛ أنهم جمعوا لهم بين تحفيزين عظيمين:

الأول: تحفيزهم بدخول الجنة !!

والثاني: تحفيزهم بحتمية تحقق أهدافهم المشروعة في هذه الدنيا؛ حتى لو بعد حين، قال صلى الله عليه وسلم لخبَّاب -رضي الله عنه- لمّا قال له: “ألاَ تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا”، قال صلى الله عليه وسلم: (واللهِ لَيتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يَخاف إلا اللهَ أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [رواه البخاري (٦٩٤٣)] !!

وقد سطّر أتباع الرسل أحداثا مؤثّرة وعظيمة عن حملهم لقضية الإسلام ومسؤولياته؛ أكتفي هنا بضرب مثالين فقط:

المثال الأول: مؤمن آل فرعون:

قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: ٢٨] !!

لم يأبه الرجل المؤمن من آل فرعون -الذي حمل همّ الدين الحقّ بصدق- لم يأبه ببطش فرعون وملئه؛ بل أخذ يصدع بكلمة الحق المرة تلو الأخرى: وممّا قال لهم:

{يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} [غافر: ٣٠] !!

{يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: ٣٨] !!

{يَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ • تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} [غافر: ٤١-٤٢] !!

المثال الثاني: الفاروق رضي الله عنه:

الغيرة على الإسلام؛ من أعظم مظاهر حمْل أتباع الرسل لدينهم الحق، فدعونا نستلهمها من الفاروق رضي الله عنه:

قال عمر: “يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟”، قال: (نعم)، قال: “فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون”[رواه مسلم (٣١)] !!

لم يقل صلى الله عليه وسلم لعمر: أنا الرسول وأنا صاحب الرسالة فكيف تقول لا تفعل ؟؟!!

لقد علِم صلى الله عليه وسلم صدق نصح عمر رضي الله عنه للإسلام حين قال: “فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون”، فوافقه صلى الله عليه وسلم على رأيه !!

يا لله .. أي تربية عظيمة هذه التي ربى عليها صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام لحمل قضية الإسلام؛ حتى أنه تراجع عن شيء كان قد أمر به ؟!

وأختم مقالي فأقول: حري بكل مسلم ومسلمة إدراك المعاني العظيمة التي انطوى عليها موضوع حمْل مسؤولية هذا الدين، لأن في ذلك الخير الكثير لأُمّتنا، خاصة في عصر تكالب علينا فيه الأعداء !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبيّن لنا فيه نهج الرسل -عليهم السلام- في غرس عظمة الإسلام؛ وضرورة حمْله؛ والنهوض بمسؤولياته؛ في نفوس أتباعهم !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن نفاق الصفويين الباطنيين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..