التأمل المفيد (٤٦٠)

الحلقة الحادية والأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: ١٠١]، قال أهل التفسير: “فإذا كان يوم القيامة، ونفخ المَلَك المكلَّف في “القرن”، وبُعِثَ الناس من قبورهم، فلا تَفاخُرَ بالأنساب حينئذ كما كانوا يفتخرون بها في الدنيا، ولا يسأل أحد أحدًا” !!

مررت كثيرا بالآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}؛ والتي تنفي أن يكون لنسب الإنسان وزن ينفعه في رفع ميزان حسناته؛ أو خفضها يوم القيامة، غير أن تأملي للآية نفسها هذه المرة -خلال موسم الحج العظيم لهذا العام- جعلني أردد في نفسي: نعم هذا هو التطبيق العملي لتفسير وفهم هذه الآية العظيمة: {لَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}، فأقول وبالله التوفيق:

خص الله تعالى ووفق -قبل أيام قلائل- نحو أكثر من مليون وسبعمائة ألف حاج من مختلف الأجناس  المسلمة؛ ليجسدوا في البلد الحرام معنى العبودية الخالصة لله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (الحجَّاجُ والعمَّارُ وفدُ اللهِ، إن دعوه أجابهم، وإن استغفَروه غفَر لهم) [رواه البزار، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣١٧٣)]، حيث ذابت في حسهم جميع الفوارق؛ وتجسدت الأخوة الإيمانيّة؛ واعتلى العمل الصالح في نفوسهم؛ وأحبوا الشعار الذي أطلقه عليهم سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم -الحجَّاجُ والعمَّارُ وفدُ الله-؛ وتركوا التفاخر بالأنساب أو الأوطان؛ وراحوا يتنافسون حول القيمة الإيمانيّة التي اختارها الله تعالى لهم -التقوى- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: ١٣] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ -: إلَّا بالتَّقوَى، النَّاسُ من آدمَ، وآدمُ من ترابٍ) [رواه أحمد، وصححه الألباني في شرح الطحاوية (٣٦١)] !!

نعم، إن حج بيت الله الحرام هو الإماتة الحقيقية لظاهرة التفاخر بالأنساب البغيضة؛ التي لا تحييها أمة إلا وأهلكتها؛ كما حصل لأمة اليهود؛ الذين فضلهم الله تعالى على العالمين في زمنهم؛ فاختاروا التمرد عليه سبحانه بعصيانه؛ وتركوا العمل الصالح الذي أمرهم به في كتابهم؛ وجحدوا النصوص التي تأمرهم بالإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم -المُبشر به في كتبهم- وراحوا يتفاخرون بنسبتهم إلى نبي الله يعقوب عليه السلام -إسرائيل- وزعموا أنهم شعب الله المختار على سائر الشعوب، ومن أدلة إمعانهم في العنصرية؛ إطلاقهم اسم النبي إسرائيل -عليه السلام- على الكيان الغاصب؛ ويعقوب منهم براء، وأخذوا يعيثون في الأرض فسادا إلى يوم الناس هذا !!

وعليه، إذا كان التفاخر بالأنساب بهذه الخطورة؛ وأن الأنساب لا وزن لها يوم القيامة في سعادة المسلم؛ ودخوله جنات النعيم؛ كما قررت آية التأمل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} وكما قال صلى الله عليه وسلم: (من بطَّأ به عملُه لم يُسرِعْ به نسَبُه) [رواه مسلم]؛ فإن السؤال المهم الذي يطرح نفسه: كيف رسّخ منهج الإسلام في نفوس أتباعه -في هذه الدنيا- شناعة هذا المفهوم البغيض ؟

الجواب:

رسّخ الإسلام شناعة التفاخر بالأنساب عن طريقين:

الطريق الأول: ترسيخه بما ورد من النصوص الشرعية في التحذير منه؛ وينقسم إلى قسمين:

القسم الأول:

التفاخر بالأنساب الصحيحة والثابتة للمسلم؛ وهذا من أمور الجاهلية، قال صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ في أمتي من أمرِ الجاهليةِ لا يتركونهنَّ: الفخر بالأحسابِ والطعنُ في الأنسابِ والاستسقاءُ بالنجومِ والنياحة) [رواه مسلم (٩٣٤)] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قدْ أذْهبَ عنْكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وفخْرَها بالآباءِ، مؤمنٌ تَقيٌّ، وفاجرٌ شَقيٌّ، والنَّاسُ بنو آدمَ، وآدمُ مِن تُرابٍ) [رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٧٨٧)] !!

القسم الثاني:

التفاخر بالأنساب المكذوبة؛ وهذا فيه اللعن والطرد من رحمة الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ ادَّعَى إلى غَيْرِ أَبيهِ، أوْ تَوَلَّى غيرَ مَوَالِيهِ؛ فَعليهِ لَعْنَةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين) [رواه مسلم (١٣٧٠)] !!

الطريق الثاني: إماتة التفاخر بالأنساب عن طريق القيام عمليا بتحذير الأقربين منه؛ وإعلامهم أن كل إنسان مرتبط بعمله؛ ولا ينفعه نسبه ولا ماله، وسأعرض بين يدي القارئ صورة واحدة فقط من الهدي النبوي في ذلك:

قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤] !!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الذي ينفع الناس طاعة الله ورسوله، وأمّا ما سوى ذلك: فإنه لا ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك، كما ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال: (يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا)[رواه مسلم]، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بأولياء إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ )، وَقَالَ: (إنَّ أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَمَنْ كَانُوا) رواه ابن حبان في صحيحه” انتهى [مجموع الفتاوى (27 / 435)] !!

وما فعله صلى الله عليه وسلم مع عشيرته الأقربين؛ هدي نبوي، على المسلم أن يتأسى به مع عشيرته الأقربين !!

وأختم المقال فأقول: أن يتعلم المسلم نسبه؛ ليقوم بما أوجبه الله تعالى عليه من صلة الأرحام؛ فهذا أمر واجب ومحمود، وأمّا سلوك التفاخر بالأنساب البغيض؛ فقد أبدلنا الله تعالى عوضا عنه؛ التأسي بالأخيار ممّن ننتسب إليهم؛ وأن نتابعهم على إيمانهم بالله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: ٢١] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه أن الفوز في الآخرة مبني على تقوى الله تعالى؛ وتقديم العمل الصالح الخالص لوجهه الكريم، وأن الأنساب لا وزن لها في الفلاح في الآخرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ليس في كتاب الله آية واحدة، يُمدح فيها أحد بنسبه، أو يُذَمُّ أحد بنسبه” [مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٣٠)] !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..