التأمل المفيد (٤٥٩)

الحلقة الأربعون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى:  {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: ٣] !!

استكبر المشركون -على مر العصور- عن الانقياد لقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}، قال أهل التفسير: “ألا لله وحده الطاعة التامة السالمة من الشرك”، فما أسباب هذا الاستكبار الخطير والمريع ؟

جاء الجواب شافيا ووافيا في آية التأمل نفسها، حيث بين الله تعالى أن:

أظلم وأبشع ما قد يصل إليه الإنسان في علاقته بربه؛ هو حين يبلغ به الظن أن الغني سبحانه -المحيط بكل شيء علما، القادر على كل شيء، المحيي المميت، من له الأسماء الحسنى والصفات العُلى- لا يمكن التقرب إليه إلا باتخاذ وسطاء بينه وبين خلقه، عندها تنقلب الحرية الحقّة لهذا الإنسان -بعبادة الله وحده- إلى عبودية لغير الله؛ ويكفُر ويكون من الكاذبين، جاء ذلك صريحا في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} !!

وعليه، فإن أجمل وأروع وأعظم وأفضل وألذ أمر أراده الله تعالى للإنسان في هذه الدنيا: الصِّلة المباشرة به سبحانه !!

هذه الصلة المباشرة بالله تعالى هي التي تعين المؤمن؛ وتحبب له طاعة الله تعالى في كل أمر -{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}- وتجعله يتذوق حلاوة الإيمان وحلاوة العبودية لله تعالى وحده، حيث يعبده كأنه يراه؛ فإن لم يكن يراه؛ فإنه سبحانه يراه !!

وإن ممّا ينبغي أن يدركه المسلم هو أن المشركين لا يعرفون إله الحق سبحانه؛ كما يعرفه أهل الإسلام، وأن كتبهم المحرّفة قد شوهت الصِّلة المباشرة به سبحانه؛ التي أرادها الله تعالى بينه وبين عباده -كما سيأتي بيانه- ونصّبوا أربابا من دون الله من الأحبار والرهبان وغيرهم؛ عبدوهم من دون الله -الواحد الأحد- حتى أن النصراني يأتي للكاهن -الذي يسمونه أب الاعتراف- ويبوح له بذنوبه فيغفرها له، زعموا !!

وفي المقابل فقد استنكر عليه السلام على من قال له: ما شاء الله وشئت، وقال مُغضبا ” أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده” [أخرجه أحمد بسند صحيح، انظر السلسلة الصحيحة (١/ ٢٦٦)]، استنكر عليه السلام أن يُعطى بشر -كائنا من كان- شيئا من خصائص من له المُلْك كله العلي الكبير، حتى تستمر صلة المؤمنين مباشرة بالله تعالى وحده !!

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه:

ما مجالات الصِّلة المباشرة بالله تعالى؛ حين يستجيب المؤمن لقول الله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} ؟

الجواب:

مجالات الصلة المباشرة بالله تعالى تكون من خلال أنشطة المؤمن كلها؛ في مجالات الحياة المختلفة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّة} [البقرة: ٢٠٨]، قال أهل التفسير: “يا أيها الذين آمنوا بالله ربًا وبمحمد نبيًا ورسولا وبالإسلام دينًا، ادخلوا في جميع شرائع الإسلام، عاملين بجميع أحكامه، ولا تتركوا منها شيئًا” !!

ويدخل في الصلة المباشرة بالله تعالى؛ الانقياد إلى ما وجهنا إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: ٧]، ذلك أن السنة من الوحي الذي آتاه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) [أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الألباني في صفة الصلاة (١٧١)]] !!

ولمزيد من البيان؛ أقول وبالله التوفيق:

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}

يتلقى المؤمن من كتاب ربه الكريم -وليس عن طريق الوسطاء الذين اتخذهم الكفار أولياء من دون الله- أنواع الشعائر التعبدية؛ من ذلك الصلاة، قال تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] .. وخلال أداء الشعائر التعبدية؛ تتجلى مناجاة المؤمن لخالقه العظيم في أقوى صورها -قرآن وذكر ودعاء-، بل وتتجاوز تلك المناجاة حدود أداء الشعائر التعبدية لتشمل سائر يوم المؤمن وليلته !!

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}

وينتقل المؤمن -وهو يتأمل خطاب ربه له في شتى الموضوعات- ليجده سبحانه يحدثه عن النكاح وبناء الأُسرة، قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ} [النور: ٣٢]، والمؤمن -وهو يتأمل حديث ربه عن نظام الأُسرة في الإسلام؛ وحقوق الزوجين- يرى ويسمع في نفس الوقت كيف تعيش الأُسر في الحضارات المادية -التي اتخذت وسطاء وأولياء من دون الله؛ وانقادوا لتوجيهات من يتبعون الشهوات- يرى ويسمع كيف تعيش تلك الأُسر حياة الضنك والضياع، وقد كانت آخر مآسيهم في أمريكا أن قام أب -الأحد قبل الماضي في ولاية لويزيانا- بقتل أطفال ثمانية -سبعة منهم من نسله- ثم أردته الشرطة قتيلا أثناء مطاردته !!

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}

 ثم يجد المؤمن أن خالقه تعالى -وليس الوسطاء الذين اتخذهم الكفار أولياء من دون الله- يبين له في كتابه الكريم التعامل الصحيح لتنمية ماله، فيقول له: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ} [البقرة: ٢٧٥]، وحتى الدَّيْن -القرض- خاطبه ربه عنه -في أطول آية في كتاب الله تعالى في سورة البقرة- ووجهه بعدم التردد في كتابته؛ سواء كان صغيرا أو كبيرا !!

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}

وأمّا جانب الأخلاق فإن ربه يحدثه -في كتابه الكريم- عن نفسه وأسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ منها أنه تعالى غفور؛ ويحب لعبده أن يغفر زلات الغير، قال تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الجاثية: ١٤] .. وهو سبحانه محسن؛ ويحب لعباده أن يكونوا من المحسنين، قال تعالى: {وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥] .. كما حثنا سبحانه أن نتأسى بالنبي عليه السلام الذي قال عنه ربه تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤] !!

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}

ثم يأتي الإنسان يوم القيامة إلى ربه فردا، قال تعالى: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: ٩٥]، إنها الصلة المباشرة بالله تعالى؛ التي دفعته على مراقبة أقواله وأفعاله قبل أن يأتي ربه فردا !!

 وبعد، فإن شريعة الإسلام -بشمولها المدهش العظيم لجميع أنشطة الإنسان؛ كما مر معنا- لتغيظ أعداء الإسلام، قال تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: ١٠٥]، وفي عصرنا أصبح مصطلح الشريعة (Sharia Law) بارزا في كتابات مفكري الحضارات المادية؛ المعادين للإسلام -وخاصة الشريعة- ولا يضرنا غيظهم؛ ما دمنا مستمسكين بشرع الله، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: ١٨] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ حيث وجه الإله المعبود سبحانه؛ عبده المؤمن بهذه الشمولية؛ في كل نواحي الحياة، قال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

 نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..