التأمل المفيد (٤٥٨)

الحلقة التاسعة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى-حكاية عن مؤمن آل فرعون-: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: ٣٩] !!

حتى لا يتبنى المسلمون المفاهيم الخاطئة حول موضوع علاقة الدنيا بالآخرة -كأن يُتصور بأن الدنيا مذمومة على الإطلاق، وأن المسلم خير له أن يزهد فيها ويتركها، أو أن العلاقة بين الحياة الدنيا والآخرة علاقة عكسية؛ إذا زادت إحداهما نقصت الأخرى-، أقول حتى لا يتبنى المسلمون أيا من تلك المفاهيم الخاطئة؛ اعتنى الوحي المطهر بالحديث عن الدنيا والآخرة حديثا مطولا في مئات من النصوص؛ التي فهمها سلفنا الصالح؛ وعملوا بمقتضاها ففازوا بخيري الدارين !!

بداية أقول: إن أكبر وأعظم أمر يُرسِّخ في عقل المسلم الفهم الصحيح للعلاقة بين الدنيا والآخرة؛ هو أن يدرك أن الوحي المطهر ما نزل إلا لإصلاح حياة الناس في هذه الحياة الدنيا؛ وليتعامل الناس بينهم بالعدل فيها، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: ٢٥]، وعليه فالوحي المطهر -الشرع- لم ينزل للعمل به في الآخرة .. كلا .. كلا .. إن مجال تطبيق الوحي هو في هذه الدنيا، وهذا يعني أنه لابد لنا من التعامل في الدنيا التعامل الصحيح مع الخالق سبحانه؛ ومع النفس؛ ومع الغير !!

وحول هذا الإدراك المهم -وهو أن الدنيا هي زمن ومكان استجابة الإنسان لتوجيهات الوحي المطهر- افترق الناس إلى فريقين:

الفريق الأول:

يعمل جادا وصادقا في الاستسلام لله تعالى؛ واتِّباع الوحي المطهر؛ فتصلح حاله في الدنيا؛ ويفوز بجنات النعيم في الآخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧] !!

الفريق الثاني:

كذّب بآيات ربه؛ وغرته زينة الدنيا وبهرجها؛ فخسر الدنيا والآخرة، قال تعالى: كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ • فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الزمر: ٢٥-٢٦] !!

هذا، وقد وجهنا صلى الله عليه وسلم -وهو القدوة الحسنة في كل أمر؛ ومنها أمر الدنيا والآخرة-، وجهنا فقال: (من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمة .. الحديث) [أخرجه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٥١٠)] !!

فما الفهم السليم والصحيح لهذا الحديث الشريف ؟

الجواب:

بعد أن تقرر في صدر المقال أن زمان ومكان تطبيق شريعة الله تعالى يكون في هذه الدنيا؛ وعلى هذه الأرض؛ فإن أحق من يوصف بأن: (همّه الآخرة) هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يعمل في هذه الدنيا بشرع الله تعالى كله؛ في جميع مجالات الحياة -العبادات بشتى ألوانها؛ والتعاملات بشتى أضرابها؛ اجتماعية واقتصادية وعسكرية وغيرها من المجالا- وبَذَل الجهد والوقت في سبيل تحقيق ذلك؛ ابتغاء وجه الله تعالى !!

كما يحظى كذلك بوصف (همّه الآخرة) من اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين مارسوا حقيقة الزهد -التقلل من المباحات- ليتفرغ الواحد منهم للعمل للدين؛ الذي يحتاج وقتا وجهدا، ففتحوا -بهذا الصدق في التعامل مع الله تعالى- قلوب العباد قبل فتح البلاد !!

لم يكن صلى الله عليه وسلم ليترك أمر إقامة الدين في مجتمعه؛ حتى يتفرغ للشعائر التعبدية الصِّرفة تقربا إلى الله، كلا .. كلا .. لم يكن ذلك من سنته ولا من هديه، إنما زهِد عليه الصلاة والسلام في المباحات -حتى أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي- لكيلا تشغله المباحات؛ وتُزاحِم همّه ووقته في إصلاح أحوال الناس، لقد كان عليه السلام القدوة في أداء الفرائض والواجبات؛ وترك المنكرات؛ وكان بحق ناصحا لله ولكتابه ولنفسه ولعامة المسلمين !!

وحين كتب علماء المسلمين في الزهد كتبا؛ إنما أرادوا بذلك دفع القُرّاء إلى الاهتمام بالتمسك بالدين؛ وترك زينة الدنيا -حتى لو كانت من المباحات- لأن في ذلك صلاح المجتمع .. كان أولئك العلماء يدركون أن التمسك بالدين؛ والنصح للناس؛ فيه ما فيه من العناء؛ والحاجة إلى الوقت والصبر، قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ) [أخرجه ابن ماجه، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٥١)] !!

ولم يكتف المسلمون الصادقون -في حملهم لهذا الدين- بالتقلل من المباحات فقط، بل ارتقوا في باب الزهد حتى أنهم بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، قال تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [النساء: ٧٤] !!

ومن عظيم ما قرره العلماء تجاه ضرورة العمل في هذه الدنيا لإقامة الدين والدفاع عن حياضه؛ واتخاذ الأسباب المحققة لذلك -كعلوم الصناعات المختلفة- استجابة لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة} [الأنفال: ٦٠]؛ قول الإمام الشنقيطي: “واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، وهذه العلوم الدنيوية إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقا لما أمر الله به على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم-، كانت من أشرف العلوم وأنفعها ; لأنها يستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جل وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة” [أضواء البيان (٦/ ١٦٧)] !!

وبعد، يبقى الدافع الأعظم لحث المؤمنين على حمل همّ هذا الدين العظيم هو ذلك الفرق الشاسع والكبير بين الدنيا والآخرة؛ وأن الآخرة هي دار الخلود والقرار، جاء ذلك في كثير من آيات الكتاب الحكيم، من ذلك الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}, وقال صلى الله عليه وسلم: (واللهِ ما الدنيا في الآخرةِ إلا مثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعَه في اليمِّ، فلينظر بم يرجع) [رواه مسلم (٢٨٥٨)] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه العلاقة الصحيحة بين الدنيا والآخرة !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد المجوس الحاقدين؛ ومن اليهود الغاصبين؛ ومن النصارى الظالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..