الحلقة الثامنة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: ١٠] !!
أضع بين أيدي القرّاء الكرام ملخصا مهما لبعض أحداث السيرة النبوية الشريفة؛ نستلهم منها العِبَر؛ ونرى كيف أثّرت الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}؛ في مشركي مكة -ومكة بلدة صغيرة لا تزيد مساحتها عن (٥٥٦) كيلو متر مربع-، أقول كيف أثرت تلك الآية الكريمة في كثير منهم -كما سيأتي بيانه- حتى انتقلت مكة من تلك البلدة الصغيرة التي يخاف أهلها من أن يتخطفهم الناس؛ إن هم استسلموا لله، قال تعالى: {وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: ٥٧]؛ إلى أن أضحت مكة -بالاستسلام لله تعالى- قلب أمة عظيمة؛ تهابها فارس والروم؛ بل وتسقط تلك الأمتان على أيدي أتباع الدين الجديد في زمن قصير !!
بداية أقول: خاطب الوحي المطهر قريشا -سكان مكة-، وكان من بين هذا الوحي آية كريمة؛ نظر عقلاء قريش من خلالها إلى مستقبل مشرق ينتظرهم؛ فيه عزهم وشرفهم، قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، قال أهل التفسير: “لقد أنزلنا إليكم هذا القرآن، فيه عزُّكم وشرفكم في الدنيا والآخرة إن تذكرتم به، أفلا تعقلون ما فَضَّلْتكم به على غيركم؟” !!
حقا إن آية التأمل في هذا المقال تنشر التفاؤل والأمل والثقة في الله تعالى بأن ينصر أمة الإسلام -في عصرنا- على المجوس الحاقدين؛ وعلى اليهود الغاصبين؛ وعلى النصارى الظالمين؛ كما نصر سلفنا الصالح عليهم جميعا، وندعوه سبحانه أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والدين، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير !!
كانت فارس والروم -إبان بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم- أمتين كبيرتين متراميتي الأطراف؛ وكانتا قطبا القوة والسيطرة في العالم آنذاك .. وكان ممّا قدّره الله تعالى من أحداث عالمية كُبرى في ذلك الزمان -والإسلام بعد في بدايات ظهوره- قتال بين فارس والروم، قال تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ • فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ • فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ • بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: ٢-٥] !!
أخذ الإسلام يشق طريقه -بهدوء وثبات- إلى العزة والشرف الموعودَين من خالق الكون سبحانه -{لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}- فأسلم من أسلم في مكة .. وهاجر المستضعفون من المؤمنين إلى الحبشة مرتين؛ فرارا بدينهم !!
وبعد سنين عشر من صبره صلى الله عليه وسلم -ومن آمن معه- على أذى المشركين المتزايد في مكة؛ أذِن خالق الكون لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة إلى يثرب (المدينة) التي قدّر الله تعالى وانتشر الإسلام فيها قبل هجرته إليها !!
وقد ضربت المؤاخاة التي قامت بين المهاجرين والأنصار أعظم مثال على أهمية الاجتماع حول كلمة التوحيد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: ٧٢] !!
ثم كانت غزوة بدر أولى بشائر التمكين والعزة والشرف للدولة الإسلامية الفتية، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣] !!
ولما قامت دولة الإسلام في المدينة؛ وكان فيها طوائف من اليهود؛ فتسامح معهم صلى الله عليه وسلم وأخذ منهم العهود والمواثيق؛ لينعموا بالمواطنة الآمنة في رحاب دولة الإسلام الحديثة .. غير أن اليهود -بما جُبلوا عليه من غدر ونقض للعهود- أبوا إلا الغدر والخيانة، فأقام فيهم -صلى الله عليه وسلم- حُكم الله تعالى في أمثالهم؛ وأجلاهم من المدينة؛ بحسب غدر كل طائفة !!
ولمّا فُتِحت مكة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تُغزى مَكَّةُ بعدَ هذا العامِ أبدًا) [أخرجه الترمذي، وأحمد، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٣٧٢)] .. وصدق عليه الصلاة والسلام -الذي لا ينطق عن الهوى- فهذه مكة لم ولن تُغزى من الكفار أبدا؛ وستظل دار إسلام إلى يوم القيامة !!
ثم كانت غزوة تبوك لقتال الروم، حيث نما إلى عِلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن هرقل جهز جيشا كبيرا لغزو المدينة؛ فأراد عليه السلام مبادرتهم قبل أن يبادروه-، ومكث عليه السلام بضع عشرة ليلة في تبوك، ثم أصاب الروم الرعب من المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (ونُصِرتُ بالرُّعب) [متفق عليه]، فانسحبوا بعد أن أيقنوا أن دولة الإسلام أصبحت مُهابة، وعاد المسلمون إلى المدينة وكفاهم الله تعالى القتال !!
وأقبلت وفود قبائل العرب -بعد غزوة تبوك- تتقاطر إلى المدينة مبايعة للرسول صلى الله عليه وسلم !!
واستكمل الصحابة رضوان الله عليهم -بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم- طريق العزة والشرف، فأنفذ أبو بكر الصديق جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه إلى الشام لقتال الروم .. وفتح الله تعالى فارس في عهد الفاروق رضي الله عنه، ونادى الفاروق سُراقة بن مالك وألبسه سواري كسرى التي كان صلى الله عليه وسلم قد بشر بها سُراقة؛ حين كان يطارد النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة !!
وإليك أيها القارئ الكريم ما كان قد رسخ في قلوب وعقول رجال الإسلام من عزة وشموخ بهذا الدين، هذا ربعي بن عامر رضي الله عنه يقول لرستم قائد الفرس: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”البداية والنهاية ط الفكر (7/ 39) !!
كما استكمل الفاروق رضي الله عنه فتح الروم -الذي بدأ في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه- وجاء الفاروق بنفسه إلى بيت المقدس، حيث رفض بابا النصارى تسليم المدينة إلا لعمر رضي الله عنه !!
وبعد، فلم تكن آية التأمل في هذا المقال الوحيدة في البشارة بالعز والشرف والتمكين لمن استمسك بدين الله تعالى، بل هناك غيرها الكثير، من ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: ٧]، قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: “أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار” [تفسير القرطبي (١٦/ ٢٣٢)] !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه أن التمسك بهذا الدين فيه عزنا وشرفنا !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الماكرين؛ من المجوس الحاقدين المنافقين؛ ومن جميع ملل الكفر يا رب العالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..