الحلقة السادسة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: ٢] !!
يتعجب الكفار -القُدامى والمعاصرون- من وجود إله -سبحانه- يُنذِر الناس من مغبة إعراضهم عنه وعن شرعه، قال تعالى في الآية الكريمة التي هي موضع التأمل في هذا المقال: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ}، بل ويسعون إلى رمي من يدعُونهم إلى الاستسلام له سبحانه بالكذب والسحر والجنون، وفي عصرنا يصف إعلامهم المأفون الانقياد لشرع الله تعالى تخلفا وتشددا وقيودا على الحرية زعموا !!
ومع عِلم المسلم -من كتاب ربه تعالى- أن الكفار يُقِرّون بخلْق الله لهم، قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: ٨٧]، بل ويُقِرّون أنه تعالى خلق السماوات والأرض، لكن، وبالرغم من هذا الإقرار إلا أنهم -بكل كِبْر وصلافة وغباء- يبدون تعجبهم من أن يأمرهم خالقهم تعالى وينهاهم في هذه الحياة الدنيا !!
وفيما يلي صور من تعجُّب الكفار -القُدامى منهم والمعاصرون- من موضوع الاستسلام لله تعالى باتِّباع شرعه، فأقول وبالله التوفيق:
تعجُب قوم شعيب من تدخل الإله سبحانه في التشريع لهم فيما يخص أموالهم، حكى القرآن قولهم: {يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: ٨٧] !!
والمعاصرون من الكفار في المجتمعات المادية الإباحية يتعجبون وينفِرون من تدخل الإله -سبحانه- في حياتهم الاجتماعية بتحريم الفاحشة، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: ٣٢]، ذلك أن الفاحشة أضحت سلوكا عاما يزاوله الناس بكل أريحية وطمأنينة نفس -بعد أن سهّلها لهم علماء سوء من رحِم الجامعات كعالم النفس اليهودي فرويد وغيره- بل وانتكست فطرهم حتى أنهم يفرحون بالمولود الناتج عن تلك الفاحشة البغيضة كما لو كان نتاج زواج شرعي لا غبار عليه !!
وفي فترات الحروب، يتعجب الكفار المعاصرون -من المجوس الحاقدين؛ واليهود والنصارى الظالمين- لو قيل لهم إن الله تعالى يتدخل في الحروب؛ وينصر المؤمنين؛ أهل السنة والجماعة -إذا شاء- بقذف الرعب في قلوب أعدائهم، قال تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: ٢٦]، وكيف يقبلون هذا الأمر الغيبي؛ وقد غرتهم قواتهم وعتادهم؛ ظانين ألا غالب لهم !!
فكيف لو قيل لهم إن الله تعالى كان يوجّه المؤمنين حتى في تفصيلات الحروب؛ ممّا يُسمى في عصرنا بقواعد الاشتباك، قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: ٩٠]، لو قيل للكفار ذلك إذن لطال عجبهم من إله -سبحانه- يبين لعباده حتى قواعد الاشتباك في الحروب !!
والسؤال الذي يطرح نفسه:
كيف انتقل الإسلام بمجتمع قريش المتعجب من الوحي؛ المُكذِّب لله رب العالمين، حتى قالوا: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: ٦]، كيف انتقل بهم الإسلام إلى أن يوصفوا بمجموعة من الصفات الحميدة -لصدق انقيادهم لمنهج الله تعالى- بعد سنين قليلة من إسلامهم، قال تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّه} [التوبة: ١١٢]؟ !!
الجواب:
أول وأعظم ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم -إبان تنزل الوحي- هو تعريف الناس بخالقهم العظيم -أسمائه الحسنى وصفاته العليا- ومن ذلك أنهم عرفوا أن إلههم تعالى يتكلم -كلاما يليق بجلاله-، قال تعالى عمّن اتخذوا العِجْل: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} [الأعراف: ١٤٨]، فأدركوا وأيقنوا بذلك أن القرآن هو كلام خالقهم العظيم، كما عرفوا باقي الأسماء التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للَّهِ تِسعةً وتِسعينَ اسمًا مِئةً إلَّا واحِدًا، مَن أحصاها دَخَلَ الجَنَّةَ) [متفق عليه] !!
والأمر الآخر العظيم والمؤثر الذي نقل مجتمع قريش من التكذيب إلى الاستسلام لله رب العالمين؛ واتِّباع أمره واجتناب نهيه؛ هو رؤيتهم في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم المثال الأعلى في العبودية لله تعالى؛ والانقياد لشرعه الحكيم، حتى قال صلى الله عليه وسلم: (لا تطرُوني كما أطرتِ النصارَى ابنَ مريمَ إنما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللهِ ورسولُه) [رواه البخاري (٢٤٤٥)] !!
والكثير لا يدركون الأثر الذي تحدثه القدوة الصالحة في الناس؛ إذا كان أول المنقادين لله تعالى، ولذا كرر القرآن الكريم توجيهه للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكون قدوة في الاستسلام لله، قال تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [الزمر: ١٢] !!
وسؤال آخر مهم يطرح نفسه:
ما سبب تعجُّب الكفار من وجود إله -سبحانه- يوجِّه الناس في هذه الحياة الدنيا ؟
السبب الأول:
الجهل بالله العظيم هو الآفة الكُبرى التي قادت الكفار قاطبة -في كل زمان- إلى التعجب من وجود إله يوجّه الناس في هذه الحياة الدنيا، وقد وصمهم الله تعالى بالجهل في أكثر من آية، قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر: ٦٤]، وهو جهل يفضي إلى عدم تعظيم الله تعالى حق تعظيمه، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: ٦٧] !!
السبب الثاني:
عدم إبراز جميع الأديان الباطلة قدوة في المجتمع يُحتذى به في عبادة الله تعالى، بل على العكس تماما؛ حيث جعل الكهنة من أنفسهم أربابا -آلهة- من دون الله، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة :٣١]، فأبعدوا الناس -بهذا الشرك- عن الدين الحق؛ وعن شرع الله القويم !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ الذي عرّفنا بربنا تعالى حق المعرفة؛ ودعانا إلى الانقياد لمنهجه القويم؛ فاستجبنا له !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الماكرين؛ من المجوس الحاقدين المنافقين؛ ومن جميع ملل الكفر يا رب العالمين !!
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والدين يارب العالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..