التأمل المفيد (٤٥٤)

الحلقة الخامسة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦]، قال أهل التفسير: “وما خلقت الجن والإنس وبعثت جميع الرسل إلا لغاية سامية، هي عبادتي وحدي دون مَن سواي” !!

التذكير بالعبادة الحقّة لله تعالى -عبادة الله تعالى وحده؛ وعدم الإشراك به شيئا- مطلوب على الدوام، والآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}؛ هي واحدة من بين كثير من نصوص الكتاب والسنة التي أبرزت موضوع العبادة لله تعالى !!

لكن التوجيه الشرعي نحو عبادة الله تعالى في زمن الحروب والفتن والنوازل الكبيرة -حيث انغماس الناس في متابعة الأخبار والتحليلات، والقيل والقال؛ خاصة مع وسائل التواصل في عصرنا، مما يضيع وقت العبد بغير فائدة ولا يعود عليه بالنفع، وربما حمله ذلك على التفريط في بعض الواجبات- أقول التوجيه الشرعي في زمن الحروب والفتن جاء على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم بأسلوب مدهش ومؤثر، قال صلى الله عليه وسلم: (العِبادةُ في الهَرجِ كَهِجرةٍ إلَي) [رواه مسلم (٢٩٤٨)]، حيث شبه صلى الله عليه وسلم العبادة في زمن الفتن كمن هاجر إليه، والهجرة إليه صلى الله عليه وسلم كانت تعني الاستسلام الخالص لله تعالى؛ والانقياد لمنهج رسوله صلى الله عليه وسلم !!

وإن ممّا دعاني إلى كتابة هذا المقال أن البعض من أبناء المسلمين يختصر العبادة التي جاء ذكرها في الحديث الشريف: (العِبادةُ في الهَرجِ كَهِجرةٍ إلَي)؛ يختصرها في الأمور التعبدية الصِّرفة كالصلاة وذِكر الله تعالى !!

ولذلك تأتي نصوص الكتاب الحكيم لتبين أنه حتى الصلاة -على مكانتها وعظمتها في دين الإسلام- إنما هي جزء من العبادة، قال تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] !!

واتِّـباع شرع الله تعالى الحكيم داخل في عبادة الله تعالى، قال تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَان} [الأعراف: ٨٥]، الوفاء بالكيل والميزان هو من عبادة الله تعالى !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

ما الأمور العِظام التي تندرج تحت مفهوم العبادة الحقّة لله تعالى:

الجواب:

يندرج تحت مفهوم عبادة الله تعالى موضوعان جليلان وعظيمان:

أولا:

معرفة الله تعالى؛ بتعلُٓم أسمائه الحسنى؛ والدعاء بها:

قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [طه: ٨]، وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: ١٩]، وقال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ} [الحشر: ٢٤] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للَّهِ تِسعةً وتِسعينَ اسمًا مِئةً إلَّا واحِدًا، مَن أحصاها دَخَلَ الجَنَّةَ) [متفق عليه] !!

ولا شك ولا ريب أن معرفة الله تعالى إنما هي ثمرة الإقبال على كتاب الله تعالى قراءة وتدبرا، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: ٢٩] !!

ولذلك مهم جدا أن يدعو المسلم -في عامة أحواله؛ وفي زمن الفتن على وجه الخصوص- بأسماء الله الحسنى، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: ١٨٠]، وقد ارتقى الدعاء ليكون هو العبادة، قال صلى الله عليه وسلم: (الدُّعاءُ هو العبادةُ ثمَّ قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: ٦٠] [صححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤٠٧)] !!

فاللهم يا نصير انصرنا على القوم الظالمين !!

اللهم يا قوي دمر أعداءنا في كل مكان !!

اللهم يا حق أجْرِ الحق على ألسنتنا !!

اللهم يا قدير سلط على أعدائنا جندا من جندك !!

اللهم يا قاهر كل شيء خالف بين قلوب أعداء الإسلام !!

اللهم يا مالك كل شيء أورثنا أرض أعداء الإسلام !!

اللهم يا مولى تولّنا بحفظك ورعايتك !!

اللهم يا وكيل ارزقنا التوكل عليك في كل أمورنا !!

اللهم يا مؤمن أمِّنا في بلادنا !!

اللهم يا فتاح افتح بالحق بيننا وبين القوم الظالمين !!

ثانيا:

يأتي بعد الإيمان بالله تعالى؛ وتزكية النفوس بمعرفته سبحانه، يأتي بعد ذلك العمل بما يحبه الله ويرضاه، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: ٢] !!*

والعبادة الحقّة -التي هي: عبادة الله تعالى وحده؛ وعدم الإشراك به شيئا-؛ قد أبدع شيخ الإسلام -رحمه الله- في تعريفها بكلمات نيرات، حيث قال: “العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة” [مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩)] !!

وإنها لفرصة عظيمة -حين يستجيب المسلم لتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن الحروب والفتن، إلى العبادة الحقّة، قال صلى الله عليه وسلم: (العِبادةُ في الهَرجِ كَهِجرةٍ إلَي)-، أقول إنها لفرصة عظيمة أن يُقبِل المسلم في مثل هذه الأحداث على الإحسان في التمسك بدينه، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: ١٢٥]؛ وذلك بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فيحسن في عباداته -كالصلاة وغيرها-، كما يوقن أن طاعة الله فيما أمر؛ واجتناب ما عنه نهى وزجر داخل في عبادة الله تعالى، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: ١٥٧] !!

هذا، وإن من أعظم ما وعد الله تعالى به المؤمنين -الذين يعبدونه ولا يشركون به شيئا- هو تمكينهم في هذه الأرض، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: ٥٥] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وحثنا فيه إلى التوجه إلى عبادته العبادة الحقّة في زمن الحروب والفتن !!

اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الماكرين؛ من المجوس الحاقدين المنافقين؛ ومن جميع ملل الكفر يا رب العالمين !!

اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والدين يارب العالمين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..