الحلقة الرابعة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: ٢]، قال أهل التفسير: “الله سبحانه هو الذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون، ولا كتاب عندهم ولا أثر رسالة لديهم، رسولا منهم إلى الناس جميعًا، يقرأ عليهم القرآن، ويطهرهم من العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة، ويعلِّمهم القرآن والسنة، إنهم كانوا من قبل بعثته لفي انحراف واضح عن الحق. وأرسله سبحانه إلى قوم آخرين لم يجيئوا بعدُ، وسيجيئون من العرب ومن غيرهم. والله تعالى -وحده- هو العزيز الغالب على كل شيء، الحكيم في أقواله وأفعاله” !!
الحمد لله .. يهل علينا بعد أيام شهر رمضان المبارك -شهر الصيام والقيام- وفيه يقبل المسلمون على الإكثار من تلاوة القرآن، وكيف لا يستزيدون فيه من التلاوة؛ ورسولهم وقدوتهم صلى الله عليه وسلم؛ كان جبريل يلقاه في كل ليلة من شهر رمضان فيدارسُه القرآن ؟!!
ولكون الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بقدْر نعمة القرآن الكريم؛ وبأهمية عمل الأمة المسلمة به؛ لذا قال: (فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٣٤)] !!
وعليه، إذا كان التمسك بالقرآن الكريم يحمينا من الضلال والهلكة -كما بين صلى الله عليه وسلم في الحديث الآنف الذكر-؛ فإن السؤال الذي يطرح نفسه:
ما الذي فقِهه الصحابة -رضوان الله عليهم- من القرآن الكريم؛ حتى صار ذلك الفِقه سببا لاستمرار فرحتهم به؛ وازدياد تمسكهم بهداه ؟
الجواب:
لقد فَقِه الصحابة -رضوان الله عليهم- من قول ربهم تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ • وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ} [فاطر: ١٩-٢٠]؛ فقِهوا -ومنهم الفاروق رضي الله عنه- أن الأشياء لا تظهر وتُعرَف إلا بمعرفة ضدها أو نقيضها -وبضدها تتميز الأشياء-، فالقرآن الكريم لا يُعرف عظيم قدْره؛ وجلال هديه إلا بمعرفة الضلال المبين الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وهذا ما لفتت إليه الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} !!
هذه القاعدة القرآنية العظيمة -وبضدها تتميز الأشياء- فقِهها الفاروق -عمر رضي الله عنه- فِقها عميقا؛ وهو يتأمل النُقلة الكبيرة التي انتقل إليها العرب -بالوحي المطهر- من جاهلية ظلماء إلى نور الإسلام، فصاغ -رضي الله عنه- تلك القاعدة صياغة عظيمة بليغة؛ أفادت الأمة المسلمة على مر القرون، وقد أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من كتاب له؛ منها [مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٠١)]؛ والتي نصها: “إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية” !!
حقا إنها لمقولة للفاروق رضي الله عنه -عميقة في معناها؛ مختصرة في مبناها- تصف الداء: وهو اختفاء الفرحة الكبيرة بالقرآن الكريم؛ وضعف العمل به عند بعض أبناء المسلمين؛ وتضع الدواء لذلك: وهو ضرورة معرفة الضلال المبين الذي كان عليه العرب في جاهليتهم قبل نزول الوحي المطهر؛ حتى تظهر عظمة الإسلام والقرآن بهذا التمايز !!
هذا، وقد زخَر القرآن الكريم بالحديث عن الضلال المبين الذي تغرق فيه المجتمعات المادية في أي عصر -إذا أدارت ظهرها لكتاب ربها-، وفيما يلي بيان ذلكم الضلال، فأقول وبالله التوفيق:
أولا: فساد عقائد غير المسلمين:
قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس: ٧٤] .. من هذه العقائد الفاسدة: عبادتهم للبشر، والبقر، والنار، والفئران، والصليب، وبوذا، وغيرها من الآلهة المزعومة الكثيرة جدا !!
هذا الفساد في العقائد يقابله التوحيد الخالص لله لدى أمة الإسلام، قال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: ١١] !!
فيا لله، ما أعظم القرآن الكريم الذي حفِظ للمسلمين توحيدهم، وما أقبح ضلال من نبذوا القرآن وراء ظهورهم؛ فأضحوا في ضلال مبين، قال تعالى: {وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأحقاف: ٣٢] !!
ثانيا: فساد التشريعات لدى غير المسلمين:
فساد التشريعات أمر حتمي ملازم لفساد العقائد، هكذا كان قوم شعيب -عليه السلام-، فمع عبادتهم لما كان يعبد آباؤهم من الأصنام؛ اختل سلوكهم وتعاملهم في مجتمعهم؛ إذ كانوا يحتالون في كسب المال بالباطل، قال تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} [هود: ٨٧] !!
وهذا ملخص مقتضب لفساد التشريعات في المجتمعات المادية المعاصرة؛ وآثارها المدمرة عليهم؛ يزداد بمعرفتها المؤمن تعظيما لكتاب ربه تعالى؛ وشريعته الغراء:
دمروا أُسرهم؛ بإباحتهم للفاحشة والشذوذ، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: ٣٢]، وقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: ٨٠] !!
دمروا أخلاقهم؛ باقتراف المعاصي والذنوب، قال تعالى: {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: ٢٠٥] !!
دمروا اقتصادهم؛ بالتعدي على ما حرم الله فيه من تعاملات، قال تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: ١٦١] !!
دمروا إعلامهم؛ بإفساد مضمونه، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: ٢٦] !!
دمروا القضاء لديهم؛ بالتحاكم إلى قوانينهم الوضعية، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: ٥٠] !!
دمروا التعليم لديهم؛ بفساد مناهجهم؛ التي كفرت بالله العظيم؛ وعبدت المادة؛ ونشرت الإلحاد، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} [فصلت: ٤٠]، وقال صلى الله عليه وسلم: (تعِس عبدُ الدينارِ ، تعِس عبدُ الدرهمِ) [رواه البخاري (٢٨٨٦)] !!
وبعد، فإنه متى ما وعت أمة الإسلام حجم الضلال المبين الذي غرِق فيه غير المسلمين -على مر العصور- فإن فرحتهم بالقرآن الكريم تزداد؛ والعمل به يقوى؛ واليقين بأنه خير ممّا يجمع الناس من حطام الدنيا الفانية يرسخ في القلوب، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: ٥٨] !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه الضلال المبين الذي يغرق فيه كل من نبذ القرآن الكريم وراء ظهره !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم بلغنا رمضان .. وأعنّا على حُسن صيامه وقيامه !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..