الحلقة السابعة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى حاكيا قول عيسى -عليه السلام- لقومه وهو في المهد رضيعا: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: ٣٠]، قال أهل التفسير: “قال عيسى وهو في مهده يرضع: إني عبد الله، قضى بإعطائي الكتاب، وهو الإنجيل، وجعلني نبيًا” !!
لطالما أدهشني أن يُجري الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام -وهو في المهد رضيعا- كلمة: {الْكِتَابَ}؛ كما في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال: {آتَانِيَ الْكِتَابَ}- لِيُوُقِع سماعها في نفوسنا وقلوبنا أعلى وأعظم درجات الإيمان بكُتُب الله تعالى؛ وعلى رأسها “القرآن الكريم” أعظمها وأجلّها !!
قال عليه السلام -في ردّه على اليهود الذين اتهموا والدته -عليها السلام- بالفاحشة-: {آتَانِيَ الْكِتَابَ}، ردهم -وهو رضيع- إلى شيء عظيم جدا .. ردهم إلى كلام خالقهم سبحانه وتعالى .. ردهم إلى الكتاب !!
والكُتُب والقراءة عموما؛ تعني الكثير للإنسان؛ حتى وهو صغير .. الطالب مثلا، يهتم بكتبه الدراسية؛ لعلمه بأهميتها في نجاحه في سنوات تعليمه !!
ثم تساءلت في نفسي -وأنا أتألم من ابتعاد بعض أبناء المسلمين عن هدايات القرآن العظيم- هل من المعقول أن يكون اهتمام بعض الطلبة بفهم كتبهم واستيعابها؛ أكبر من اهتمامهم بفهم كتاب ربهم والعمل به ؟ وقد قصدت اختيار الطلبة في تساؤلي؛ إذ هم أمل الغد المشرق لأمة الإسلام بإذن الله تعالى !!
الجواب:
نعم ذلك معقول جدا، إذ في نفس الوقت الذي عرف فيه عموم الطلبة كيف يتعاملون مع كتبهم الدراسية التعامل الصحيح -كالاستعداد لشتى أنواع الاختبارات-؛ نجد بعضهم -في نفس الوقت- لا يعرف التعامل الرباني الصحيح مع القرآن الكريم؛ كما سيأتي بيانه !!
وعليه، فإن السؤال الأهم في هذا الموضوع الجلل:
كيف وجهنا ربنا تعالى لنتعامل مع كتابه الكريم التعامل الصحيح ؟
الجواب:
حيث أن كتاب الله تعالى يحمل بين دفتيه الفلاح والصلاح للمسلم في الدنيا والآخرة؛ فإننا نجد توجيهات ربنا -العليم الحكيم- للتعامل الصحيح مع كتابه تعالى كثيرة؛ أذكر منها ثلاثة:
أولا:
أخذ الكتاب بقوة: أي بجد واجتهاد؛ وذلك بالعلم بمعانيه والعمل بها:
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: ٦٣]، وقال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّة} [الأعراف: ١٤٥]، وقال تعالى: {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة} [مريم: ١٢]، قال أهل التفسير: “يا يحيى خذ التوراة بجد واجتهاد بحفظ ألفاظها، وفهم معانيها” !!
في الأثر، عن أبي عبد الرحمن قال: “حدَّثَنا مَن كان يُقرِئُنا من أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّهم كانوا يَقتَرِئونَ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عَشْرَ آياتٍ، فلا يأخُذونَ في العَشْرِ الأُخرى حتى يَعلَموا ما في هذه منَ العِلمِ والعَمَلِ، قالوا: فتعلَّمْنا العِلمَ والعَمَلَ” [الدر المنثور (٢/ ٦٩)]، وهذا الأثر دليل على أخذ السلف لكتاب الله تعالى بقوة؛ أي بجد واجتهاد !!
ثانيا:
التلاوة الحقّة: ومعناها القراءة الصحيحة للقرآن الكريم؛ واتِّباعه حق الاتباع:
وانظر كيف مدح الله تعالى من أسلم من أهل الكتاب بسبب تلاوتهم الحقّة لكتبهم، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِه} [البقرة: ١٢١]، قال أهل التفسير: “الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يقرؤونه القراءة الصحيحة، ويتبعونه حق الاتباع، ويؤمنون بما جاء فيه من الإيمان برسل الله، ومنهم خاتمهم نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يحرفون ولا يبدِّلون ما جاء فيه. هؤلاء هم الذين يؤمنون بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه” !!
وإذا كانت التلاوة الحقّة والجادة والصادقة للتوراة والانجيل من قِبَل بعض اليهود والنصارى أدت إلى إيمانهم بالبشارة بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- المكتوبة في كتبهم؛ وإلى هدايتهم وإسلامهم -كما في الآية الآنفة الذكر-؛ فإنه يكون من باب أولى أن ينتفع المؤمن بالقرآن الكريم إذا تلاه حق تلاوته !!
ثالثا:
تدبره: حيث ذم الله تعالى الذين لا يتدبرون القرآن الكريم:
قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: ٢٩]، قال أهل التفسير: “هذا الموحى به إليك -أيها الرسول- كتاب أنزلناه إليك مبارك؛ ليتفكروا في آياته، ويعملوا بهداياته ودلالاته، وليتذكر أصحاب العقول السليمة ما كلفهم الله به” !!
وأمّا النصوص التي وردت في ذم الذين لا يتدبرون القرآن الكريم فكثيرة؛ منها:
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: ٢٤]، قال أهل التفسير: “أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ القرآن ويتفكرون في حججه؟ بل هذه القلوب مغلَقة لا يصل إليها شيء من هذا القرآن، فلا تتدبر مواعظ الله وعبره” !!
هذا، وقد حفز صلى الله عليه وسلم المسلم تحفيزا عظيما؛ للإكثار من تلاوة كتاب الله تعالى -وِفق ما مر معنا من توجيهات ربانية للتعامل مع الكتاب الحكيم، حيث كان صلى الله عليه وسلم أصدق من عمِل بها-، قال صلى الله عليه وسلم محفزا: (من قرأ حرفا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ (الـم) حرفٌ ولكنْ (ألفٌ) حرفٌ و(لامٌ) حرفٌ و(ميمٌ) حرفٌ) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٦٩)] !!
ومع أننا ندرك أن مجرد قراءة القرآن الكريم يجني منها المسلم هذا الأجر العظيم -الذي ورد في الحديث الشريف الآنف الذكر-؛ إلا أنه حري بالمسلم أن يستجيب لتوجيهات ربه تعالى عن التعامل الصحيح مع كتابه الكريم؛ ومتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم في عمله بها، إذ:
أخذ الكتاب بقوة: “بجد واجتهاد”؛ سيصرف عنه البُعد عن كتاب ربه؛ الذي يقع لبعض المسلمين، فلا يقرأون كتاب الله إلا قليلا، وبعضهم يقرؤه في رمضان فقط !!
وبتلاوته حق التلاوة: “بالقراءة الصحيحة، واتِّباعه حق الاتباع”؛ يحميه ذلك من عدم الانتفاع بكتاب ربه وهداياته !!
وبتدبره: ينأى المسلم بنفسه عن صفة للمنافقين ذميمة؛ وهي عدم تدبرهم لكتاب الله تعالى !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ ووجهنا فيه إلى التعامل الرباني المطلوب مع كتابه الكريم !!
اللهم احفظ بلادنا -بلاد الحرمين- وكافة بلاد المسلمين من كيد الكائدين ومكر الماكرين؛ من المجوس الحاقدين المنافقين؛ ومن جميع ملل الكفر يا رب العالمين !!
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والدين يارب العالمين !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..