*الحلقة الثانية والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: ٢٣] !!
هناك فرق جوهري كبير بين أهل الباطل في اتِّباعهم لآبائهم؛ كما جاء في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: ٢٣]؛ وبين اتِّباع أهل الحق لآبائهم، قال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: ١٣٣] !!
هذا الفرق الجوهري بين الآيتين الكريمتين؛ لا يكمن في شخصية الآباء؛ ونفوذهم وما يملكون، وإنما يكمن فيما كان عليه الآباء؛ أهو حق يرضاه الله تعالى؛ أم باطل ؟
ولذا فإن المسلم يتّبِع أباه لِما يحمله من حق، أمّا إذا كان الأب على باطل فلا .. ولا كرامة .. وقد حكى لنا القرآن إنكار إبراهيم -عليه السلام- على أبيه المشرك: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: ٧٤]؛ مع بقاء التعامل بأدب رفيع مع الأبوين حتى لو كانا مُشرِكْين؛ كما قال تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: ١٥] !!
هذا، وإن ممّا دعاني إلى الكتابة عن هذا الموضوع المهم؛ هو أن أعداء الإسلام يحلو لهم دائما اتهام الإسلام بأنه دين قديم؛ قد أكل عليه الدهر وشرب؛ وأنه لا يناسب العصر، وغير ذلك من التهم المشابهة الباطلة !!
بداية أقول: إن الحق الذي جاء به الوحي المطهر -توحيد الله؛ والانقياد لمنهجه- قديم وثابت، وبُعده في الزمان يُعد من أعظم مزاياه لثباته، قال تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: ٨١]، قال أهل التفسير: “وقل -أيها الرسول- للمشركين: جاء الإسلام وذهب الشرك، إن الباطل لا بقاء له ولا ثبات، والحق هو الثابت الباقي الذي لا يزول” .. وقد أكد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قِدم الحق، فقال لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “ولا يمنعنك قضاءٌ قضيتَه بالأمس، فراجعت فيه نفسك وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم ولا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل” [مسند الفاروق لابن كثير (2/ 546)] !!
وإن من أعظم الشرف الذي ألبَسَنا إياه الإسلام؛ أن جعل الأمة المسلمة -أفرادا ومجتمعات- يُعرفون بين سائر الأمم بأنهم يتبعون الحق في كل أمورهم، قال تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ} [البقرة: ١١٩]، بل أصبحت كلمة الحق أحب الكلمات إلى نفوسهم، وكيف لا تكون كذلك وهم يسمعون من نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم عن الحق سبحانه فيقول: (أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدك حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والنَّبيُّونَ حقٌّ، ومحمَّدٌ حقٌّ) [متفق عليه] ؟!!
بخلاف مجتمعات الحضارات المادية التي ألبسها بَطَرُ الحقِّ ورفضه لباس الشقاق؛ والبعد عن الرشد والصواب، قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: ١٧٦] !!
هذا، وقد حدثنا القرآن الكريم كثيرا عن عظيم شأن الحق؛ الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وعن أهمية اتِّباعه؛ بأساليب شتى؛ وأمثلة كثيرة؛ لا تدع للإنسان الصادق مجالا إلا أن يتّبِعه وينقاد له !!
كما حدثنا عن موقف أهل الباطل من الحق؛ وأساليبهم الملتوية في رده وعدم الالتزام به !!
وفيما يلي بيان ذينك الأمرين:
أولا:
حديث القرآن الكريم عن الحق وتعظيم شأنه، من ذلك:
أن الله تعالى خلق السماوات والأرض بالحق، وإذا كان أهل الباطل يُقِرِّون بأن هناك حقا وهدفا من وراء إنشاء مؤسساتهم ومصانعهم؛ فأي تخلف عقلي بلغوه حين جهلوا الحق من خلق السماوات والأرض، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الروم: ٨]، قال أهل التفسير: “أولم يتفكر هؤلاء المكذِّبون برسل الله ولقائه في خلق الله إياهم، وأنه خلقهم، ولم يكونوا شيئًا. ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا لإقامة العدل والثواب والعقاب، والدلالة على توحيده وقدرته، وأجل مسمى تنتهي إليه وهو يوم القيامة؟” !!
ومن الأدلة على عظيم شأن الحق؛ أنه إذا وقع على الباطل أزهقه وأبطله، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء: ١٨]، قال أهل التفسير: “بل نقذف بالحق ونبيِّنه، فيدحض الباطل، فإذا هو ذاهب مضمحل” !!
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يتعلم -بقراءة كتاب ربه تعالى- الحجج القرآنية الحقّة لمواجهة أهل الباطل وشبهاتهم في عصرنا !!
ثانيا:
حديث القرآن الكريم عن طُرق أهل الباطل في رد الحق ورفضه:
من أساليب أهل الباطل في رد الحق؛ كتمانه وعدم بيانه، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٤٦]، وقد جر عليهم كتمان البشارة بخاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم؛ أنواع المآسي والشرور التي لا حصر لها !!
ومن أساليب أهل الباطل في رد الحق؛ طلبهم إنزال العذاب عليهم -مع أن أجَلَ وزمن العذاب بيد الله؛ وهو سبحانه لا يُسأل عمّا يفعل-، قال تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: ٣٢]؛ يضلون بذلك أتباعهم؛ بزعمهم أنهم على حق إذا لم ينزل العذاب عليهم !!
وزادت الحضارات المادية -في عصرنا- طغيانا واستكبارا، إذ يرون أنهم على حق بالرغم من آيات الله العِظام التي تحل بهم -العاصفة الثلجية القطبية على أمريكا الأيام القليلة الماضية مثالا- بدون توبة ولا أوبة إلى الله تعالى !!
ومن أساليب أهل الباطل في رد الحق؛ المراوغة في قبوله؛ سعيا منهم لعدم العمل به، قال تعالى: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ • قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة : ٧٠-٧١] !!
وفي عصرنا، برزت لدى الحضارات المادية مراوغة “مطورة” في قبول الحق؛ وهي الكيل بمكيالين في القضية الواحدة -مع الدول المختلفة- بما يخدم مصالحهم !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وعظّم لنا فيه شأن الحق؛ وضرورة اتِّباعه !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..