التأمل المفيد (٤٥٠)

الحلقة الحادية والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {الرَّحْمَٰنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: ١-٢]، قال القاضي عياض: “لمّا كانت السورة -أي سورة الرحمن- مقصورة على تِعداد النِّعم الدنيوية والأخرويّة، صدّرها بالرحمن، وقدّم ما هو أصل النِّعم الدينية وأجلّها؛ وهو إنعامه بالقرآن؛ وتنزيله وتعليمه؛ فإنّه أساس الدين؛ ومنشأ الشرع؛ وأعظم الوحي؛ وأعزّ الكتب؛ إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها؛ مصدق لنفسه؛ ومصدق لها” [تفسير القاسمي (٩/ ٩٩)] !!

إن رحمة الله تعالى -التي وسعت كل شيء- قد تجلت بأسمى وأرفع معاني التجلي؛ حين علّم الرحمن -سبحانه- الإنسان كتابه الكريم، قال تعالى: {الرَّحْمَٰنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ} [الرحمن: ١-٢] !!

وقد زخَر الوحي المطهر بالحديث عن وصف القرآن الكريم بالرحمة، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: ٨٢]، وغيرها من الآيات !!

ومع أننا في عصر يتباهى فيه أرباب الحضارات المادية بكثرة علمائهم وكتّابهم ومفكريهم؛ وغزارة مؤلفاتهم -الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية- إلا أننا -بالقرآن الذي علّمنا إياه الرحمن سبحانه- نقول لجميع هؤلاء العلماء والمفكرين: أنتم لستم على شيء، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ} [المائدة: ٦٨]، وأن ما يدعونه من دون الله ليس بشيء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: ٤٢]، وأنهم لا يقضون بالحق والعدل في أي شيء، قال تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: ٢٠] !!

ولابد لنا إذن -نحن أهل الإسلام- من استشعار هذا الفرق الشاسع والكبير بيننا وبين القوم الكافرين؛ وأنهم ليسوا على شيء في أي موضوع يمس جوانب حياة الإنسان، أقول لابد من استشعار هذا الفرق حتى نفرح الفرحة الحقيقية بالقرآن؛ الذي علمنا إياه الرحمن، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: ٥٨] !!

*عليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه:

ما الموضوعات المختلفة التي تدل على عظيم رحمة الله تعالى بنا؛ حين علمنا القرآن الكريم ؟

الجواب:

كل جوانب الحياة تحتاج إلى رحمة القرآن الكريم، وفيما يلي أشير إلى وقفتين منها، فأقول وبالله التوفيق:

الوقفة الأولى:

اهتمت جميع المجتمعات في عصرنا بموضوع حفظ الحقوق لأصحابها؛ فبرزت براءة الاختراع؛ لحفظ حقوق المخترعين، وبرزت المِلكية الفكرية؛ لحفظ حقوق المفكرين وأطروحاتهم -وهذا أمر حق ومهم-، غير أن أرباب الحضارات المادية -لكونهم ليسوا على شيء- لم يحفظوا أعظم حق في الوجود؛ حق الله تعالى على العبيد؛ وهو التوحيد !!

فأي ضلال وقع فيه من حُرِموا رحمة القرآن الكريم؛ الذي أنزله الله تعالى لبيان وحدانيته سبحانه؛ وأنه المعبود في الأرض وفي السماء، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} [الزخرف: ٨٤] ؟!!

وقد ترتب على إنكار وحدانية الله تعالى؛ أن حُرِموا رحمة القرآن الكريم في موضوع آخر؛ وهو الشريعة السمحة التي أنزلها الله تعالى للعالمين، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: ١٨] !!

والحمد لله، فإن أهل الإسلام -بإيمانهم بالشريعة الغراء؛ وبأن الله تعالى هو الواحد الأحد؛ الذي يجب أن يُطاع في كل أمر- نجوا من فكر خبيث لدى الحضارات المادية؛ يحصر الدين في الأمور التعبدية بين الإنسان وربه؛ ويُقصِيه من تنظيم حياة الناس؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وغيرها من جوانب الحياة المختلفة !!

ولذلك، خاضت مجتمعات الحضارات المادية -لبعدهم عن القرآن وتشريعاته؛ التي حملت الرحمة للعالمين- خاضت التجارب المريرة بالتشريعات الوضعية التي شرّعها البشر -مع ما تحمله هذه التشريعات من قصور البشر؛ وهوى البشر-، والتي سرعان ما يستبدلوها بغيرها؛ لعدم مواءمتها لِما فطر الله تعالى الناس عليه؛ وهكذا دواليك، في الوقت الذي ينعم المسلمون بتطبيق أحكام العليم الحكيم -لأكثر من أربعة عشر قرنا- حتى شهِد بكمالها وشموليتها بعض المشاهير من غير المسلمين؛ من ذلك:

قول الأديب البريطاني الشهير برنارد شو: “إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل فى تفكير محمد، حيث لو تولى محمد أمر العالم اليوم لوفِّق فى حل مشكلاتنا بما يؤمّن السلام والسعادة التى يرنو السلام إليها”، صلى الله عليه وسلم !!

الوقفة الثانية:

أصدر علماء النفس في الحضارات المادية دراسات لا تعد ولا تحصى عن الصحة النفسية للإنسان، ولكونهم ليسوا على شيء في أي أمر؛ فإنه حتى لو بلغ تعداد دراساتهم تلك عنان السماء؛ فلن يفلحوا في علاج أمراضهم النفسية المتفشية؛ ولن يحققوا الطمأنينة والسعادة للإنسان !!

إن رفض تلك المجتمعات المادية الرحمة المهداة من رب العالمين -القرآن الكريم- ورسمهم منهج حياة إباحي لأنفسهم؛ وتركهم القيم الربانية الصحيحة؛ واستبدالها بالقيم النفعية -التي تدور حول الجنس والمال- وتفشي التبرج والسفور والاختلاط؛ كل ذلك أدى إلى عنف أسري غير مسبوق، حتى صارت الشرطة -التي بلغ تعدادها في أمريكا أكثر من ستمائة ألف فرد- ملاذ كل أسرة؛ يحتمون بها من تنمر وعنف المُعنِّف -الذي قد يكون من أقرب الناس إليهم- ، وصار من أشهر الأوامر الصادرة من المحاكم عن طريق الشرطة -في أمريكا- أمر يسمى:(restraining order)(أمر تقييدي): ومعناه: “أمر قضائي مؤقت يصدر لمنع فرد من القيام بفعل معين، وخاصة الاقتراب من شخص معين أو الاتصال به” !!

وللعلم فإن عدد المكالمات الواردة إلى الجهات الأمنية على الرقم (911) في أمريكا لوحدها بلغ (٢٤٠) مليون مكالمة سنويا؛ بمعدل (٦٠٠٠٠٠) ستمائة ألف مكالمة يوميا؛ حسب إحصائية مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) !!

في الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: (طِيب النفس من النعيم)[صححه الألباني في صحيح الجامع (7182)]، قالها؛ وكان الوحي المطهر يبين مسببات هذا الاطمئنان النفسي، حيث أقسم الله تعالى في سورة الشمس أحد عشر قسما؛ على قضية تزكية النفس، وتزكية النفس لا تكون إلا بطاعته فيما أمر؛ واجتناب ما عنه نهى وزجر، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: ٩-١٠]، ومن طاعة الله تعالى: أداء الزوجين ما عليهما من حقوق وواجبات؛ لتحقيق الاطمئنان في الأُسرة؛ وحمايتها من العُنف الذي دمر المجتمعات المادية !!

ومن أهم مسببات اطمئنان النفس؛ ذكر الله، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وعلمنا القرآن؛ رحمة من لدنه ونِعمة !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..