التأمل المفيد (٤٤٩)

الحلقة الثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: ٩] !!

في خِضمّ ما يحصل من أحداث عالمية: كحرب روسيا وأوكرانيا؛ وما حصل في فنزويلا؛ واستمرار إجرام الكيان الغاصب؛ يَرِدُ سؤال: هل يُعقل أن يتجاهل أحد قوة الحضارات المادية؛ وما لها من نفوذ عسكري واقتصادي ؟

أظن أن الجواب قطعا سيكون لا .. لا يمكن لأحد تجاهُل نفوذ هذه الحضارات المادية وقوتها !!

لكننا حينما نتكلم عن الحضارات المادية؛ فإننا لا نتكلم عن مناطق في الأرض خارجة عن ملك الله تعالى، كلا .. كلا .. فالله تعالى يحدثنا في آية كريمة واحدة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: ٩]؛ عن ملكه الواسع سبحانه -{رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}-، وعن تفرده بالعبودية -{لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}-، وعن كونه سبحانه الوكيل على كل ما خلق -{فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}؛ حتى يُقدَّر الله سبحانه حق قدْرِه !!

وحديث الله تعالى عن تلك المحاور العظيمة التي وردت في آية التأمل؛ إنما هو لعلمه سبحانه بما في عقول كفار قريش؛ وعقول أرباب الحضارات المادية -في كل عصر- من كِبْر وصَلَف وغرور؛ وكذلك لعلمه بحاجة أهل الإيمان إلى زيادة إيمانهم !!

بداية دعونا نبدأ بأهل الإسلام، نحن بحاجة إلى أن نجدد إيماننا بالله تعالى في القلوب؛ امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الإيمانَ ليَخلَقُ في جوفِ أحدِكم كما يَخْلَقُ الثوبُ، فاسأَلوا اللهَ أن يُجدِّدَ الإيمانَ في قلوبِكم) [صححه الألباني في صحيح الجامع (١٥٩٠)] !!

والإيمان -كما هو معتقد أهل السنة والجماعة- يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإن من أعظم الأعمال الصالحة التي تزيد الإيمان في القلوب -بعد أداء الفرائض والواجبات- هو تدبر كتاب الله تعالى، وآية التأمل في هذا المقال؛ تدبرها يعين على تقدير الله تعالى حق قدْرِه !!

ثم نعود فنطرح سؤالا آخر؛ يخص الحضارات المادية:

بما أن المسلم يدرك كيف أقام القرآن الكريم الحُجج الدامغة على القوم الضالين -والتي منها مقارنة عظمة الله تعالى بضعف وهوان المكذبين وآلهتهم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [يونس: ٣٤]- فهل هناك مقارنة بين المحاور التي وردت في آية التأمل -عن ملك الله الواسع، وعن تفرده في العبودية، وعن كونه سبحانه الوكيل على كل ما خلق- وبين ما تدعيه الحضارات المادية من نفوذ وقوة اليوم ؟!

الجواب:

بالطبع لا، فالمحاور التي ورد ذكرها في آية التأمل محاور عظيمة، وللمقارنة بينها وبين ما لدى الحضارات المادية من قوة ونفوذ ضعيفين زائلين؛ أقول وبالله التوفيق:

أولا:

محور المُلك:

الحضارات المادية:

خلْق من خلْق الله، أذن الله تعالى لهم بالعيش على مساحات من الأرض؛ أقاموا عليها دولهم، رِزْقُهُم على الله تعالى؛ مما تنبت الأرض؛ وماء ينزل من السماء؛ وما خلق لهم من بهيمة الأنعام والأسماك والطير وغيرها !!

رب العالمين:

لا يملك الأرض فقط، بل يملك سبحانه مشرق الكون ومغربه، قال تعالى: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [المزمل: ٩], ويملك كل شيء في الوجود، قال تعالى: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: ٨٣] !!

ثانيا:

محور التفرد بالعبودية:

الحضارات المادية:

بشر من البشر، لم يُخلقوا إلا لعبادة الله سبحانه، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦]، وويل لهم في الدنيا والآخرة إن هم تمردوا على عبادته، قال تعالى: {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ • فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [الزمر: ٢٥-٢٦] !!

رب العالمين:

كل شيء يعبده سبحانه -إلا المتمردون المُهانون من الإنس والجن-، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: ١٨] !!

ثالثا:

محور الوكيل:

الحضارات المادية:

اتخذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، والأحبار والرهبان لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا؛ وليسوا وكلاء على شيء ممّا خلق الله، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: ٣] !!

فإذا ما طغوا وظلموا وعاثوا في الأرض فسادا؛ ثم لم يعاجلهم القوي الجبار بالعقوبة فهذا إمهال لهم، حتى إذا اغتروا وتمادوا أخذهم بالعذاب في الدنيا؛ ثم إليه مصيرهم سبحانه في الآخرة، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: ٤٨]، ويوم القيامة يزيد الله تعالى المفسدين من الكفار عذابا فوق عذابهم، قال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل: ٨٨] !!

رب العالمين:

قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: ٦٢] !!

دعونا أولا نُقرِّب المعنى العظيم لاسم الله الوكيل:

نحن البشر إذا منح الواحد منا شخصا: “وكالة عامة”؛ نعي أن لهذا الشخص حق التصرف في كل ما يملك موكله؛ كيفما شاء؛ وفي أي وقت شاء .. ولله المثل الأعلى، الله تعالى -خالق كل شيء- هو المتصرف في كل ما خلق في السماوات وفي الأرض؛ متى شاء وكيف يشاء؛ بمقتضى حكمته وعلمه !!

وعلى سبيل المثال لا الحصر: الله تعالى وكيل علينا نحن البشر؛ يذهب بنا؛ ويأت بآخرين .. وكيل سبحانه على البحر؛ أمره أن ينشق لموسى عليه السلام .. وكيل سبحانه على الحوت؛ أمره ألا يأتي إلى قرية من قرى اليهود سوى يوم السبت فقط .. وكيل سبحانه على النار -التي من خاصيتها الإحراق- جعلها بردا وسلاما على إبراهيم عليه السلام  !!

وبعد، فمن كان هذا شأنه سبحانه -يملك مشرق الكون ومغربه؛ وكل شيء خاضع له ويعبده؛ وهو الوكيل المتصرف في جميع ما يخلقه-؛ حري بالناس أن يطلبوه ويسألوه ويفتقروا إليه في حوائجهم كلها: الصغيرة؛ مهما دق صِغرها، وفي الملمات والأحداث الكبيرة؛ حتى لو كانت عالمية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: ١٥] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وعرفنا فيه بربنا تعالى حق المعرفة !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..