التأمل المفيد (٤٤٧)

الحلقة الثامنة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: ٢٢] !!

قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ: اكتبْ، قال: ربِّ وماذا أكتبُ ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٨٨٩)] !!

لن يكون حديثي في هذا المقال عن شرح مراتب القدر الأربعة -العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق- التي بسطها العلماء عند الحديث عن القضاء والقدر، وهي مراتب مرتبطة باللوح المحفوظ !!

وإنما حديثي سينقسم إلى قسمين:

القسم الأول:

عن كثرة ذكر اللوح المحفوظ في كتاب الله تعالى !!

القسم الثاني:

الوقوف على عظيم ما أخبرنا القرآن الكريم ممّا هو مسطور ومكتوب في اللوح المحفوظ؛ من السنن والوعود -المتعلقة بالإيمان أو الكفر-، فأقول وبالله التوفيق:

القسم الأول:

كثرة ذكر اللوح المحفوظ في كتاب الله تعالى:

الحديث عن اللوح المحفوظ حديث عن عظيم ملك الله تعالى؛ وسعة علمه المحيط بكل شيء؛ وكمال قدرته على خلق كل شيء؛ ومشيئته المطلقة التي تسبق كل مشيئة، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وَكانَ عرشُهُ على الماءِ) [رواه مسلم (٢٦٥٣)] !!

والمتأمل في كتاب الله تعالى يدرك أن اللوح المحفوظ جاء ذكره في القرآن كثيرا، ولا يقتصر على ما جاء في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} [البروج: ٢٢]، بل جاء ذكر اللوح المحفوظ -بأسماء أخرى- في آيات الكتاب الكريم، كما جاء تلميحا في غيرها من الآيات !!

أسماء اللوح المحفوظ في القرآن الكريم:

الكتاب:

قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام: ٣٨]، وكذلك الآية (٥٨) من الإسراء، والآية (٧٠) من الحج، والآية (٦) من الأحزاب، والآية (٢٢) من الحديد .. قوله تعالى -{الْكِتَابِ}- في الآيات الخمس؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

كِتَاب اللَّه:

قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ} [التوبة: ٣٦]، وكذلك الآية (٥٦) من الروم .. قوله تعالى -{كِتَابِ اللَّهِ}- في الآيتين؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

كتاب مبين:

قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود: ٦]، وكذلك الآية (٥٩) من الأنعام، والآية (٦١) من يونس، والآية (٣) من سبأ .. قوله تعالى -{كتاب مبين}- في الآيات الأربع؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

أُمُّ الكتاب:

قال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: ٤]، وكذلك الآية (٣٩) من الرعد .. قوله تعالى -{أُمِّ الْكِتَابِ}- في الآيتين؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

كِتَابٌ مَّكْنُون:

قال تعالى: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} [الواقعة: ٧٨] .. قوله تعالى -{كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}- في الآية؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

إمام مبين:

قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ} [يس: ١٢]، قوله تعالى -{إِمَامٍ مُّبِينٍ}- في الآية؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

الذِّكر:

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: ١٠٥]، قوله تعالى -{الذِّكْر}- في الآية؛ هو اللوح المحفوظ كما قال أهل التفسير !!

وأمّا الآيات التي ألمحت إلى اللوح المحفوظ -بدون تصريح- فهي كثيرة؛ منها:

قال تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: ٥١]، قال أهل التفسير: “قل -أيها النبي- لهؤلاء المتخاذلين زجرًا لهم وتوبيخًا: لن يصيبنا إلا ما قدَّره الله علينا وكتبه في اللوح المحفوظ، هو ناصرنا على أعدائنا، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون به” !!

وقال تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: ١٥٤]، قال أهل التفسير: “قل لهم: إن الآجال بيد الله، ولو كنتم في بيوتكم، وقدَّر الله أنكم تموتون، لخرج الذين كتب الله عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون” !!

القسم الثاني من المقال:

ما جاء في القرآن الكريم من عظيم ما هو مسطور ومكتوب في اللوح المحفوظ؛ من السنن والوعود -المتعلقة بالإيمان أو الكفر- التي يفرح بها المؤمنون؛ كما أنها وبال وخسارة على الكافرين؛ وهي كثيرة، من ذلك:

الفرحة الكبرى بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ: أنه يجازي من قصد الخير بالتوفيق له؛ ويجازي من قصد الشر بالخذلان، ولا تبديل ولا تغيير لهذا الوعد !!

قال صلى الله عليه وسلم: (ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، أمَّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقَاءِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ • وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ • فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} [الليل: ٥-٧] [رواه البخاري (٤٩٤٩)] !!

وهذا الوعد الرباني الأزلي؛ دافع كبير للمؤمن نحو تقديم الأعمال والأقوال الصالحة !!

وكذلك الفرحة الكبرى بما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ من نصر لكتابه؛ ورسله -عليهم السلام-؛ وعباده المؤمنين !!

قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: ٢١]، قال أهل التفسير: “كتب الله في اللوح المحفوظ وحَكَم بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين. إن الله سبحانه قوي لا يعجزه شيء، عزيز على خلقه” !!

وكم جاء في كتاب الله تعالى من آيات تتحدث عن قضاء الله تعالى وقدره -المكتوب في اللوح المحفوظ-؛ ازداد بها المؤمنون هدى وصلاحا وثباتا، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ • لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور} [الحديد: ٢٢-٢٣] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه عن اللوح المحفوظ؛ ما نزداد به تعظيما لله تعالى !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..