التأمل المفيد (٤٤٤)

الحلقة الخامسة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٧٤] !!

وردت في كتاب الله تعالى خمس آيات كريمات تبيّن أن الله تعالى يعلم ما لا يعلمه الناس، ختم سبحانه أربعا منها بقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: ١٩]، وختم الخامسة بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٧٤] !!

إحدى هذه الآيات الكريمات الخمس: خاطبت أهل الضلال من المشركين، وهي الآية موضع التأمل في هذا المقال، قال تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٧٤]، قال أهل التفسير: “وإذا عَلِمتم أن الأصنام والأوثان لا تنفع، فلا تجعلوا -أيها الناس- لله أشباهًا مماثلين له مِن خَلْقه تشركونهم معه في العبادة. إن الله يعلم ما تفعلون، وأنتم غافلون لا تعلمون خطأكم وسوء عاقبتكم” !!

بداية أقول: العلم هو حديث الساعة اليوم .. وإذا جاز لأرباب الحضارات المادية أن يطلقوا على هذا العصر: عصر الثورة العلمية -مع أن علمهم المادي لا يساوي ولا هباءة بجانب علم الله تعالى بالسماوات والأرض وما فيهن من مخلوقات، وقد هداهم الله إلى هذا العلم اليسير بعد أن خلقهم، ومكّنهم من العيش على هذه الأرض، والسعي في مناكبها، ونتج جراء هذا السعي تجارب وخبرات لأنواع شتى من العلوم المادية، ثم هداهم سبحانه لاختراع الحاسوب؛ لجمع وتخزين علمهم؛ ومن ثم تحليله والاستفادة منه وتداوله بين الناس، كل ذلك بفضل من الله تعالى وتوفيقه- أقول إذا جاز لأرباب الحضارات المادية أن يطلقوا على هذا العصر: عصر الثورة العلمية؛ فإنه ليس لأحد -سوى الله تعالى؛ خالقنا وخالقهم- أن يخاطبهم ويبيّن لهم جهلهم بما يصلح من شأنهم؛ بعلوم أهم وأعظم ممَا لديهم من علم، قال تعالى مخاطبا كفار قريش؛ وأمثالهم من المشركين في كل زمان: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} !!

وإن ممّا دعاني إلى كتابة هذا المقال هو وجود خطأ منهجي لدى بعض أبناء المسلمين -من المنبهرين بما لدى الحضارات المادية من تقدم مادي كبير- وهو أنهم لا ينظرون لهذه الحضارات بالمنظار القرآني الرباني العظيم -حتى يقفوا الموقف الصحيح منها-؛ كما جاء في آية التأمل المخاطبة لأهل الضلال: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، أو غيرها من الآيات القرآنية الكثيرة؛ التي إنما نزلت لتخرج الكافرين من الظلمات إلى النور !!

بل نجد بعض المنبهرين يُفرِط في الثناء على تقدم تلك المجتمعات؛ ليتلقاها بعد ذلك بعض القراء المسلمين بنوع من الانبهار الشنيع؛ يزدرون بسببه حتى دين الإسلام؛ وليس على التقصير في الأخذ بالأسباب فقط؛ بل ودوا لو تبنوا النظام الديمقراطي القبيح الشنيع الآثم في بلدانهم !!

ولتقريب المنهج الرباني للوقوف على الحق في تقييم الحضارات المادية أقول:

إن من منهج القرآن الكريم في مخاطبة المشركين؛ تذكيرهم بما وقع على أسلافهم من الأمم المكذبة من عذاب مهين -وهو خطاب لا يحمل مدحا لتلك الأمم على قوتها المادية-، كفار قريش مثلا، كان القرآن الكريم يُذكِّرهم بالعذاب الذي أنزله الله على من سبقهم من الأمم القوية المكذبة، قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ} [ق: ٣٦]، كما يحثهم على الاستسلام لله رب العالمين؛ وترك الباطل الذي هم عليه، قال تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّه} [الشورى: ٤٧] !!

ولذلك فإني ناصح للمنبهرين بالحضارة المادية المعاصرة: أن يزيدوا على اهتمامهم بالقرآن العظيم: من القراءة للهداية؛ وطلب الأجر؛ والتشافي به من الأمراض -وهذا اهتمام عظيم بالقرآن الكريم؛ مطلوب ويؤجرون عليه-، نصيحتي لهم كذلك أن يجعلوا من كتاب الله تعالى نورا تتكشف لهم به ظلمات الحضارات المادية !!

وفيما يلي سؤال مرتبط بآية التأمل في هذا المقال؛ يكشف فيه المنهج الرباني -الذي ذكرته آنفا- ظلمات الضالين:

ما العلوم التي لا يعلمها أرباب الحضارات المادية؛ التي أشارت إليها الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، والتي يُعدُّ الجهل بها سبب دمارهم وزوالهم؛ مهما عظُمت قدراتهم العسكرية؛ ومهما كبُر حجم نفوذهم الاقتصادي والصناعي ؟

الجواب:

العلوم التي لا يعلمها أرباب الحضارات المادية، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٧٤]، والذي أفنى المتخصصون منهم في الدراسات الإنسانية -كما يحلو لهم تسميتها- أعمارهم في البحث ولو عن قدْر شعرة منه؛ ليُحسِّنوا من جودة الحياة لديهم؛ ويخففوا من الأمراض النفسية المتفاقمة .. هذا العلم الذي يجهلوه -والذي هو جزء من علم الله تعالى المطلق الواسع- هو علم هدايات الكتاب الكريم والسنة المطهرة؛ وهو العلم الذي فيه الحياة الحقيقية؛ التي أحيا الله بها المؤمنين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: ٢٤] !!

وأقول، إن هذه الحضارات التي تنتج مئات الألوف من المقاطع العلمية المرئية المدهشة عن غرائز الحيوانات، والطيور، والأسماك، والحشرات، وغيرها -غرائز يعزوا الكفار خلقها إلى الطبيعة (Nature)؛ وليس إلى الله الخالق العظيم، والله تعالى يقول على لسان موسى عليه السلام: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} [طه: ٥٠]- أقول إن هذه الحضارات المادية بحاجة إلى من يقول لها: إن الله تعالى -الذي هدى هذه المخلوقات لِما تحتاجه لتعيش وتتكاثر- لن يترك أكرم مخلوقاته -الإنسان- بدون هداية، حكى لنا القرآن الكريم قول إبراهيم عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: ٧٨] !!

وحتى لا يظن أحد من أفراد المجتمعات المادية أن الاستسلام لله تعالى يتعارض مع التقدم في العلوم المادية؛ يأتي قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: ١٥]؛ مبددا لتلك الظنون، إذ الإسلام يحث على السعي في مناكب الأرض لاستخراج خيراتها، بل إن عبادة الله تعالى وحده تنير لعلماء المادة الطريق في بحوثهم: تدلهم على ما فيها من خير؛ وتحذرهم من الشر إن وُجِد فيها؛ بفضل من الله تعالى وشرعه القويم !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وعلمنا به ما لم نكن نعلم من الهدى والرشاد !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..