الحلقة الثانية والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} [ص: ١٠]، جاء في محاسن التأويل للقاسمي: “أيْ: فَلْيَصْعَدُوا في اَلْأسْبابِ اَلَّتِي هي مَعارِجُ اَلْوُصُولِ إلى اَلْعَرْشِ، لِيَسْتَوُوا عَلَيْهِ، فَيُدِيرُوا اَلْعالَمَ، ويُنْزِلُوا اَلْوَحْيَ عَلى مَن شاءُوا. وأنّى لَهم ذَلِكَ؟” [محاسن التأويل للقاسمي (٨/ ٢٤٢)] !!
تنظر شعوب الحضارات المادية -الغربية منها والشرقية- إلى مراكز صنع القرار في بلدانها؛ حيث تصدر القرارات المؤثرة محليا ودوليا -أو هكذا يزعمون-، غير أن كلتا الحضارتين مدعوتان -كما قيل لكفار قريش من قبل؛ حين فعلت ما تفعله الحضارات المادية اليوم؛ من كفر واستكبار وظن باطل؛ بأنهم لا حاجة لهم بالوحي-، أقول الحضارتان مدعوتان بتحد من الله تعالى -إن كانوا يملكون السماوات والأرض- إلى أن يرتقوا إلى السماء إن استطاعوا ليحلوا محل ذي العرش سبحانه؛ حتى يحكموا بما يريدون من عطاء ومنع لأهل الأرض، وقد جاء ذلك التحدي صريحا في الآية الكريمة التي هي موضع التأمل في هذا المقال: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} [ص: ١٠]، وأنى لهم ذلك؛ والله تعالى يقول في الآية التي تليها: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ} [ص: ١١] ؟!!
ولبيان عجز أي حضارة عن الارتقاء إلى السماء -ليحلوا محل ذي العرش سبحانه- جاء البيان القرآني الشافي في تعظيم شأن السماوات وما فيهن من جوانب عدة -كما سيأتي بيانه- حتى يدركوا جميعا أن الجهة الحقيقية المستحقة لتدبير أمور البشر -بكتاب ينزل من السماء؛ ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم- هو الله تعالى في علاه، قال تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [السجدة: ٥]، وكلمات الله تعالى وأوامره لا يحصيها أحد، قال تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: ١٠٩] !!
ومن جهة أخرى، فإن الحديث القرآني المُفصّل عن عظمة السماوات مهم؛ حتى يعرف الناس جميعا -مسلمون وكفار- أن السماء لا تقتصر على نزول الماء فقط -وإن كان الماء أمره عظيم؛ وهو من رحمة الله، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: ٢٨]-، وسبب تنبيهي لذلك: أن الكثير -إلا من رحم الله تعالى- أضحت السماء في أذهانهم مقترنة بالسُّحب ونزول المطر لا غير !!
وعليه، فالسؤال الذي يطرح نفسه:
ما الجوانب العظيمة التي يطرحها القرآن الكريم عند الحديث عن السماوات ؟
الجواب:
حينما يتحدث القرآن الكريم عن السماوات؛ فإنه يطرح أمورا عقدية عظيمة جدا، فيما يلي ثلاثة منها:
أولا:
السماوات بناء عظيم -بناه الله تعالى- له أوصافه؛ ويسكنه خلق عظيم لا يعلم عددهم إلا الله تعالى:
قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: ١٧] !!
يدرك المسلم من النصوص الشرعية أن الله تعالى بنى هذه السماوات السبع، قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: ٥]، وجعل لها أبوابا، قال تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ: ١٩]، وقال تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ} [الحجر: ١٤]، وقد حدَّث الصادق المصدوق عن فتح هذه الأبواب له في معراجه، قال صلى الله عليه وسلم: (ثم عُرِجَ بنا إلى السماءِ، فاستفتح جبريلُ، فقيل: من أنت ؟ قال: جبريلُ، قيل: ومَن معك ؟ قال: محمد، قيل: وقد بُعِثَ إليه ؟ قال: قد بُعِثَ إليه، ففُتِح لنا) [رواه مسلم (١٦٢)] !!
كما بيّنت النصوص الشرعية أن سكان هذه السماوات هم الملائكة عليهم السلام؛ بأعدادهم المهولة التي لا يحصيها إلا الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (إنِّي أرَى ما لا ترَونَ وأسمعُ ما لا تسمَعون، أطَّتِ السماءُ وحق لها أن تَئِطَّ؛ ما فيها موضِعُ أربعِ أصابِعَ إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهَتَهُ لله ساجدًا) [صححه الألباني في صحيح الجامع]، وكما في حديث البيت المعمور؛ وفيه قال جبريل عليه السلام: (يدخُلُه كُلَّ يومٍ سبعون ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجوا منه لم يعودوا فيه آخِرَ ما عليهم)[رواه مسلم (١٦٤)] !!
سكان هذه السماوات السبع لا ينسون لحظة واحدة أن فوقهم ربهم العظيم؛ مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله، قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: ٥٠] !!
فهل تستشعر مجتمعات الحضارات المادية -إذا انقشع جهلها- بناء السماوات السبع؛ وما فيها من ملائكة كرام لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ؟! أقول هل تستشعر هذه المجتمعات عظمة التحدي الذي تحداهم الله به: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} ؟!
وإذا أدركوا أنهم عاجزين عن التحدي؛ فعليهم الاستسلام لخالقهم من فوقهم؛ رب العرش العظيم !!
ثانيا:
الله تعالى في علاه في السماء؛ يُنزِّل كُتُبه على رسله عليهم السلام؛ وحيا من عنده:
قال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: ٢] !!
وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: ١٦٣] !!
فهل تستشعر مجتمعات الحضارات المادية -إذا انقشع جهلها- عظمة الله العظيم؛ بأسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ وأدركت أن خالقهم سبحانه يتكلم كلاما يليق بجلاله؛ وأن القرآن الكريم كلامه تعالى أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ؟! أقول هل تستشعر هذه المجتمعات عظمة التحدي الذي تحداهم الله به: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} ؟!
وإذا أدركوا أنهم عاجزين عن التحدي؛ فعليهم الاستسلام لله تعالى؛ والإيمان بآخر كتبه القرآن العظيم !!
ثالثا:
ينزل من السماء عذاب الله تعالى على القوم الكافرين:
قال تعالى: {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير} [الملك: ١٧] !!
وقال تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: ١٦٢] !!
فهل تستشعر مجتمعات الحضارات المادية -إذا انقشع جهلها- أنواع عذاب الله تعالى؛ وأن بعضها ينزل من السماء ؟! أقول هل تستشعر هذه المجتمعات عظمة التحدي الذي تحداهم الله به: {أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ} ؟!
وإذا أدركوا أنهم عاجزين عن التحدي؛ فعليهم الاستسلام لله تعالى؛ وخشيته؛ وعدم التعرض لما يسخطه؛ ويستنزل عذابه !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه عظيم أمر السماوات !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..