التأمل المفيد (٣٤٨)

الحلقة الرابعة والثلاثون من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية” قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: ٦٥] !!

نزلت الآية الكريمة مخاطبة المشركين؛ إذ قال تعالى في الآية التي قبلها: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: ٦٤] !!

وسأقف من الآية الكريمة عند قوله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ} !!

إن اختلاط أمر أمة؛ حتى تصبح فِرقا متناحرة؛ ليس غريبا حتى على الأمة المسلمة، في الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (سألتُ ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدةً؛ سألتُ ربي أنْ لا يُهْلِكَ أمتي بالسَنَةِ، فأعطانيها، وسألتُهُ أن لَّا يُهْلِكَ أمتي بالغرَق، فأعطانِيها، وسألْتُهُ أن لَّا يَجْعَلَ بأسَهم بينَهم، فمنَعَنِيها) [رواه مسلم (٢٨٩٠)]!!

لكن الله سلط على مجتمعات الحضارة المادية -في هذا العصر-عذابا وافتراقا واختلافا غير مسبوق في تاريخ البشرية -{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ}-؛ حتى طال أُسرهم؛ وقتل بعضهم بعضا لسبب ولغير سبب !!

وما سأصفه من واقع حال جرائم القتل التي تعيشها مجتمعات الحضارة المادية؛ هو وحده الذي يمكن أن يعطينا الجواب على سؤال يدور في خاطر كل مسلم اليوم:

ما التفسير لهذه المجازر؛ والإبادة الجماعية التي تقترفها قوات الحضارة المادية -ببوارجها وطائراتها- فضلا عن قوات دولة الصهاينة؛ ضد المستضعفين في مساكنهم ومستشفياتهم وملاجئهم في غزة ؟

الجواب:

بعد أن ألِفت شعوب الحضارة المادية القتل البشع بين الناس في بلدانهم؛ من:

قتل داخل بعض الأُسر بسبب العلاقات المحرمة .. قتل بعض الوالدين للأبناء؛ وكذلك العكس؛ لفقدان البِر بينهم .. قتل في المدارس .. قتل سببه جرائم النهب .. قتل بعض الأقارب للحصول على التأمين على الحياة .. القتل بسبب الخمور والمخدرات .. قتل بسبب الأمراض النفسية .. كثرة اختطاف وقتل النساء .. كثرة اختطاف وقتل الأطفال؛ ما اضطرهم لسنّ نظام يسمى (Amber Alert)؛ لتنبيه الناس في جميع وسائل الإعلام والتواصل بجريمة الخطف بسرعة فائقة .. قتل في البارات والملاهي الليلية .. قتلة متسلسلين كُثُر -القاتل المتسلسل هو من يقتل ثلاثة فأكثر في أوقات مختلفة- .. جرائم القتل الجماعي، وقد سمع الكثير منا قبل أسبوعين بحادث القتل في ولاية مين (Maine)؛ حيث قتل مسلح ثمانية عشر نفسا بمفرده في مدينة (Lewiston)، ثم وجدوه منتحرا بعد أيام !!

ومن المؤلم لديهم أن الأطفال ألِفوا كذلك جرائم القتل .. فهذه طفلة -ذات عشر سنوات- أصيبت برصاصة في ذراعها؛ بعد أن قُتِل ثلاثة من عائلتها، فتظاهرت بالموت؛ حتى خرج المجرم .. ألا ما أبأسها من حياة يعيشها الأطفال في تلك المجتمعات !!

وإذا كانت البلاغات الأمنية في أمريكا على الرقم (٩١١) قد بلغت (٢٤٠) مليون مكالمة سنويا -بمعدل (٦٠٠٠٠٠) مكالمة يوميا؛ حسب إحصائية مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI)- واحتاجوا إلى جيش جرار من رجال الشرطة -بلغ تعداده: (٦٦٠،٢٨٨) [Statista Research Department]- لمواجهة جرائم القتل وغيرها من الجرائم؛ حينها يدرك القارئ الكريم العدد الضخم والمهول من الجرائم؛ وكأنها معارك طاحنة لا تتوقف هناك، حتى قال معلق أمريكي عن مدينة (Savannah) في ولاية (Georgia): “إنك تسمع إطلاق النار وأنت تسوق السيارة” !!

أقول: بعد أن ألِفت شعوب الحضارة المادية القتل البشع بين الناس؛ وفقدوا الإحساس بقبحه؛ وصارت الجريمة كالوباء .. يضاف إلى ذلك خلو تلك المجتمعات من القيم التي تمنع ممارسة الجرائم بأنواعها المختلفة؛ لتمردهم على خالقهم العظيم؛ ومنهجه القويم، حيث فشلوا -بسبب ذلك التمرد- في ضبط تعامل الناس؛ وغرس قيم الرحمة والتسامح بينهم، فأضحت مجتمعاتهم نموذجا مخزيا -في تاريخ البشرية- للانحطاط الأخلاقي؛ والجريمة والقتل .. بعدها انتقلوا بما ألِفوه من جرائم قتل في بلدانهم ليكون سلوكا يتعاملون به مع شعوب الدول التي ترفض غطرستها وانحطاطها القيمي .. وهو تعامل شريعة الغاب -القوي فيها يأكل الضعيف- فكانت تلك المجازر بالملايين خلال حربين عالميتين؛ وقنابل ذرية تُلقى على البشر في اليابان، وغيرها من الحروب الكثيرة؛ ويتكرر الإجرام في مجازر غزة التي سمع بها العالم كله .. لكن مجازر غزة قد فضحتهم في العالم أجمع، وخرجت على إثرها مواد إعلامية لا حصر لها؛ تعري كل ادعاءات الحضارة المادية وقيمها الكاذبة؛ التي أصمّوا بها آذان العالم لعقود !!

أمّا المجتمع الإسلامي؛ فقد تربى على نظام أخلاقي رباني محكم؛ انتفت فيه شريعة الغاب؛ التي كان السادة من قريش يضطهدون فيها العبيد، وصار مجتمعا متراحما متماسكا .. ثم حمل ذلك المجتمع رحمته معه وهو يجاهد في سبيل الله تعالى، حيث أرسى الإسلام قواعد الاشتباك الراقية مع العدو .. في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انْطَلِقوا باسْمِ اللهِ، وباللهِ، وعلى مِلَّةِ رَسولِ اللهِ، ولا تَقتُلوا شَيْخًا فانِيًا ولا طِفْلًا صَغيرًا، ولا امْرَأةً، ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غَنائِمَكم، وأَصلِحوا، وأَحسِنوا {إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]» [حسنه ابن حجر في هداية الرواة (4/60)]!!

فالحمدلله على سماحة دين الإسلام؛ الذي هدانا الله به إلى الأخلاق الحميدة حتى في القتال !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..