الحلقة الخامسة والعشرون من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية” قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {قَالَ كَلَّا ۖ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: ١٥] !!
لطالما تساءل المسلم عن أسباب شرود شعوب الحضارات المادية عن التعامل الصحيح مع الله تعالى العظيم؛ الذي عرّف نفسه سبحانه فقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: ٧٣] .. ثم هداني الله تعالى بعد ذلك إلى الجواب في الآية الكريمة: {قَالَ كَلَّا ۖ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} -التي هي موضع التأمل في هذا المقال- لتكون مفتاحا ألج من خلاله إلى الظلمات التي أحاط بها غير المسلمين أنفسهم؛ فتجاهلوا بسببها خالقهم ورازقهم -المحيي المميت- الله رب العالمين !!
لم تعرف الشعوب غير المسلمة الله تعالى كما عرفه المسلمون؛ بأسمائه الحسنى؛ وصفاته العليا؛ وأفعاله الجليلة .. المسلمون يستحضرون في جميع أقوالهم وأفعالهم معية الله تعالى لهم -{إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ}- وهو ما استيقنه النبيان الكريمان موسى وهارون عليهما السلام، قال تعالى: {كَلَّا ۖ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} !!
إن أحد أهم الأسباب في جهل غير المسلمين بالله تعالى -بعد كفرهم به سبحانه- هو فقدهم للتربية القرآنية اليومية التي تُكرّر في الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، والتي يتلو فيها المسلم؛ أو يسمع من إمامه كلام رب العالمين؛ الذي استفاض في الحديث عن الله تعالى؛ وأسمائه وصفاته وأفعاله، خاصة ختْم الله تعالى لكثير من آياته باسم أو اسمين من أسمائه الحسنى..فهذا الفقد للصلاة تسبب في جهلهم بالله عز وجل، لذا؛ فلا غرو أن يوجب لهم دخول النار: {مَا سَلَكَكُمۡ فِی سَقَرَ • قَالُوا۟ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّینَ} [المدثر: ٤٢-٤٣] !!
صحيح أن من أبناء الحضارة المادية -ما عدا الملاحدة منهم- من يقر بأن الله تعالى خالق السماوات والأرض -وهو عين قول الكفار إبان البعثة المحمدية -على نبيها الصلاة والسلام-، قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: ٦١]- لكن بالرغم من إقرارهم بخلق الله تعالى للسماوات والأرض؛ فقد صرفوا عبادته وطاعته لغيره؛ وهو سبحانه الإله في السماء والأرض، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ} [الزخرف: ٨٤]، ذاهلين عن رؤية الله تعالى لهم؛ وسماعه إياهم؛ على الدوام، قال تعالى: {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: ١٥] !!
وفيما يلي مثال واحد فقط على الخسارة الفادحة العظيمة التي تلحق الجاهلين بالله العظيم؛ الذاهلين عن رؤيتة تعالى لهم؛ وسماعه إياهم:
من أعظم الأوقات التي يحتاج فيها الإنسان أن يكون عالما موقنا بأن الله تعالى يسمعه ويراه: هو عند ارتكابه للذنوب .. وحال المؤمن عندها؛ المسارعة في الاستغفار من ذنبه؛ لعلمه ويقينه بأن ربه يسمعه ويراه؛ وأنه سمى نفسه الغفور الرحيم، قال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} !!
لكن أنى للجاهلين بالله تعالى -تاركي صلاة رب العالمين؛ من أبناء الحضارة المادية- أن يتوبوا؛ أو يستغفروا الله العظيم؛ عند ارتكاب المعاصي والآثام؛ وهم ذاهلون عن رؤية الله تعالى لهم؛ وسماعه إياهم: {إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ} ؟!!
ولو تتبع المسلم -الذي يؤمن ويوقن أن الله تعالى يراه ويسمعه- لو تتبع آي الكتاب الحكيم لأيقن أن الله تعالى يوجهه ويراه ويسمعه في كل أفعاله .. المسلم يؤمن أن الله تعالى يسمع ويرى بيعه وشراءه، قال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: ١] .. المسلم كذلك يؤمن أن الله تعالى يسمع ويرى كيف هي معاملته لأهله، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: ١٩] .. وهكذا في كل ما جاء من أوامر ونواهي من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم !!
وعكس ذلك أبناء الحضارة المادية .. يعملون أعمالهم؛ طوال حياتهم -سواء كانت حلالا أو حراما- في ذهول كامل عن رؤية الله تعالى لهم؛ وسماعه إياهم !!
تبين مما سبق أن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الجليلة هو الأصل الأول والأعظم في الإسلام، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “أساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:
أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.
الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد وقرة العين التي لا تنقطع.
وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول ومبنيان عليه” [الصواعق المرسلة (١٥١/١)]!!
ومن هنا كذلك يتبين دور الإخلاص الكبير والعظيم في تذكير المسلم -دائما- بأن الله تعالى يرى ويسمع؛ ما يقول ويفعل، وذلك حين يتحرى الإخلاص لله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى) [متفق عليه] .. كما يحرص أن يكون عمله صوابا؛ بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم !!
فالحمدلله على سماحة الإسلام -دين الحنيفية- الذي عرّفنا بربنا تعالى المعرفة الحقة !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) !!