التأمل المفيد (٣٢٦)

الحلقة الثانية عشرة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية” !!

 قال الله تعالى: {ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ} [النجم: ٣٠]، وقال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

من سماحة الإسلام -دين الحنيفية- أن جاء للناس بأحوج ما يحتاجون إليه في حياتهم على هذه الأرض: وهو العلم النافع !!

ونحن المسلمون نعرف -بحمد الله تعالى ومنته- محتوى العلم النافع -كما سيأتي بيان ذلك في ثنايا كلامي في هذا المقال؛ عن الحضارات المادية والعلم-، أقول وبالله التوفيق:

بادئ ذي بِدء: نعلم جميعا أن الإسلام أقر بما لدى الحضارات المادية من علم، قال تعالى: {ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ}؛ غير أنه علم غير نافع، قال أهل التفسير: “ذلك الذي هُم عليه -من التولي عن القرآن؛ وإرادة الدنيا دون الآخرة- هو منتهى علمهم وغايتهم” .. وفي آية أخرى بين تعالى أن لدى الحضارة المادية علم؛ لكنه يفضي بهم إلى الهلاك، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: ٨٣] !!

والسؤال الذي يطرح نفسه -وخاصة ونحن في عصر أطلق عليه أرباب الحضارة المادية المعاصرة؛ عصر العلم-: لماذا غاب عن أرباب الحضارة المادية محتوى العلم النافع؛ فأصابها ما أصابها من شر وشرك وضلال؛ ومن ثمّ انهيار وانحطاط في القيم والأخلاق ؟

الجواب:
هنالك عدة أسباب تحول بين أرباب الحضارة المادية وبين الانتفاع بالعلم النافع، منها:

أولا:
تقرير القرآن الكريم: أنه لن ينتفع مرضى القلوب وقُساتِها؛ المفتونين بوساوس الشياطين وتلبيساتهم؛ بما في القرآن الكريم من علم نافع، قال تعالى: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج: ٥٣]، وقد علِم القاصي والداني ما لبّست به الشياطين على أهل الحضارات المادية من بُغض للإسلام -خاتم الرسالات- حتى صاروا يُنفِّرون منه بشتى الوسائل والإمكانيات !!

ثانيا:
كذلك لا ينتفع بالعلم النافع من تعالى على الحق والانقياد له؛ بسبب كثرة ماله وولده -وهو شعار الإنجازات المادية الذي يرفعه الماديون في كل عصر-؛ قال تعالى: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: ٣٥] .. حتى قريش رفعت شعار الإنجازات المادية، قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: ٧٣] !!

وسؤال آخر يطرح نفسه: بماذا امتاز المؤمنون؛ حتى كانوا -ولا يزالون- أهلا للعلم النافع؟ وما هو محتوى هذا العلم النافع الذي هداهم الله تعالى إليه ؟

الجواب:
بعد أن تبين لنا آنفا تقرير القرآن الكريم بعدم أهلية مرضى القلوب وقُساتِها؛ المفتونين بوساوس الشياطين وتلبيساتهم للانتفاع بالعلم النافع .. كذلك قرر القرآن الكريم أن الذين يفرقون -بعلمهم- بين الحق والباطل؛ يعلمون أن القرآن الكريم هو الحق النازل من عند الله تعالى؛ فيزداد به إيمانهم؛ وينتفعون بما فيه من علم نافع، قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: ٥٤] !!

والعلم النافع الذي جاء به الإسلام هو:

معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى؛ وصفاته العلا؛ وأفعاله الجليلة؛ وما يترتب على هذه المعرفة الحقة بالله تعالى من انقياد لأوامره واجتناب لنواهيه؛ لتنظيم الحياة البشرية وفق شريعة الله تعالى؛ ومنهجها القويم !!

هذا وقد جاء التحذير من تلقي العلم الذي لا ينفع في كثير من آي الكتاب الكريم، قال تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} [الرعد: ٣٧]، وكلمة: {أَهْوَاءَهُم} التي جاءت في الآية الكريمة لا تقتصر على علم المعتقدات الدينية الباطلة، ولكنها تشمل كذلك ما يؤلفه بعض أساتذة الجامعات لدى الحضارة المادية المعاصرة -فيما أسموه بالعلوم الإنسانية- التي يُراد لها أن تلغي المنهج الرباني لتزكية الإنسان؛ لتحل بدلا عنه تلك الدراسات والبحوث حول الإنسان !!

كما تعوذ صلى الله عليه وسلم من العلم الذي لا ينفع: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن عِلْمٍ لا يَنْفَعُ)[رواه مسلم (٢٧٢٢)]!!

وأمّا علم المادة؛ وما ينتج عنه من تيسير أمور حياة الناس المعيشية -كالصناعة وغيرها- فالأمة المسلمة لها السبق فيه؛ في قرون مضت؛ بل ووضعت أسسه .. كيف لا والله تعالى يقول لها: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: ١٥] ؟! .. فالإسلام له منهجه المتفرد في النظر إلى هذه الدنيا؛ وإصلاحها؛ وعمارتها، وبيان الخلل الذي يسبب التخلف المادي فيها؛ يختلف جذريا عن منهج الحضارات المادية في النظر إلى الدنيا، فالمسلمون يبتغون بهذه العلوم الدنيوية؛ رضا الله تعالى والرغبة الصادقة في نعيم الآخرة؛ والنجاة من النار؛ وليس إرادة الدنيا دون الآخرة؛ كما هو شأن الحضارات المادية !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله تعالى وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله تعالى له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) !!