التأمل المفيد (٤٤٨)

الحلقة التاسعة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: ٤]، قال أهل التفسير: “إنَّا أنزلنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بلسان العرب؛ لعلكم تفهمون، وتتدبرون معانيه وحججه. وإنه في اللوح المحفوظ لدينا لعليٌّ في قَدْره وشرفه، محكم لا اختلاف فيه ولا تناقض” !!

بالإضافة إلى علو قدْر القرآن الكريم في اللوح المحفوظ -كما في آية التأمل-؛ يدرك المسلم من كتاب ربه المبين؛ أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم من اللوح المحفوظ، قال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ • فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظ} [البروج: ٢١-٢٢]، قال ابن الجوزي رحمه الله: “منه نُسِخ القرآن وسائر الكتب” [زاد المسير (٤/ ٤٢٧)] !!

كان القرآن الكريم يحدث المؤمنين والكفار على السواء؛ عن اللوح المحفوظ، ولذلك نحن في عصرنا نذكر مجتمعات الحضارات المادية باللوح المحفوظ -لمكانته العظيمة في الدين الحق- ونقول:

إن كُفركم بالقرآن الكريم؛ هو كُفر باللوح المحفوظ !!

والكُفر باللوح المحفوظ هو كُفر بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أولَ ما خلق اللهُ القلمُ، فقال لهُ: اكتبْ، قال: ربِّ وماذا أكتبُ ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٨٨٩)]، وهذا يعني الكُفر بمُلك الله تعالى لكل شيء؛ وبسعة علمه المحيط بكل شيء؛ وبكمال قدرته على خلق كل شيء؛ وبمشيئته المطلقة التي تسبق كل مشيئة .. ألا ما أشنعه من كُفر !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

 ما صور الخسارة الكبيرة؛ والضلال البعيد؛ الذي وقعت فيه مجتمعات الحضارات المادية؛ التي لا تؤمن باللوح المحفوظ ؟

الجواب:

صور الضلال التي وقع فيها من كفر باللوح المحفوظ كثيرة؛ أقف مع بعضها وقفات، فأقول وبالله التوفيق:

الوقفة الأولى:

الجهل بقضية السعادة الحقيقية:

قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أحدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا، ثم يكونُ علقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُرسلُ اللهُ تعالى إليه الملكَ فينفخُ فيه الروحَ، ويُؤمرُ بأربعِ كلماتٍ: رزقُه وأجلُه وعملُه وشقيٌّ أم سعيدٌ) [متفق عليه] !!

أيقن أهل الإيمان -من الحديث الشريف- أن سعادة أو شقاء الإنسان مكتوب منذ الأزل، كما أيقنوا -من كتاب ربهم- أن السعادة الحقّة إنما تكون بعبادة الله تعالى وحده؛ والانقياد لمنهجه القويم، وأن الشقاء كل الشقاء في التمرد على الخالق العظيم؛ وعلى صراطه المستقيم، أقول حين علِم أهل الإيمان كل ذلك، بادروا بالأعمال الصالحة؛ حتى يكونوا من السعداء؛ كما وعد الله، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ • وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ • فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} [الليل: ٥-٧]، فالله تعالى لا يظلم أحدا، قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [آل عمران: ١٨٢] !!

أمّا شعوب الحضارات المادية التي كفرت باللوح المحفوظ؛ وما كُتِب فيه من شقاء الإنسان أو سعادته؛ فقد غاب عنهم -بسبب ذلك الكفر- الفهم السليم للسعادة الحقّة؛ والشقاء البئيس -كما عرفه أهل الإيمان-، فجعلوا السعادة كل السعادة في أمور منها:

حصْر أهداف حياتهم على الأهداف المادية البحتة؛ والسعي لتحقيقها بأي وجه كان -من حلال كان أم من حرام- ولا يدخل في هذه الأهداف نيل رضى الله تعالى بعبادته؛ واتِّباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم !!

وجعلوا السعادة في شرب المسكرات، لكن ما وقع في بار للرقص وشرب الخمور في سويسرا؛ في احتفال برأس  السنة الجديدة -في الساعات الأولى من يوم الخميس الماضي- واندلاع حريق في البار أودى بحياة (٣٧) نفسا؛ وإصابة (١١٥) بجروح؛ لهو دليل قاطع على أن السعادة ليست في شرب ما حرّم الله تعالى !!

وجعلوا السعادة في الملبوسات؛ فتفننوا في ابتكار الموضات؛ يلبسونها زهوا وخيلاء !!

فيا لله، ما أبعدهم عن السعادة الحقيقية؛ التي توصلهم إلى رضوان الله تعالى وجنات النعيم !!

في المقابل، نجد أهل الإسلام -ولله الحمد والمنة- يستمتعون بالطيبات التي أحلها الله تعالى لهم في الدنيا؛ من مأكل ومشرب وملبس -دون سَرَف ولا بطر ولا مخيلة-، بل إن هذه الطيبات خالصة لهم وحدهم يوم القيامة؛ دون أهل النار؛ الذين شاركوهم إياها في الدنيا، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٢] !!

الوقفة الثانية:

عدم الإيمان بالقضاء والقدر:

قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: (واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوك إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليكَ، جَفَّتِ الأقلامُ، ورُفِعَتِ الصُّحُفُ) [صححه الألباني في مشكاة المصابيح (٥٣٠٢)] !!

إن كُفر الحضارات المادية باللوح المحفوظ -الذي فيه مقادير الخلائق- دفعهم إلى الاعتقاد بأنهم قادرون على فعل أي شيء، وأن الإله ليس له مشيئة تسبق أفعال العباد، والإنسان عندهم هو خالق أعماله؛ ولا دخل لله فيها، تعالى الله عمّا يقول الكافرون علوا كبيرا !!

ومن فلتات ألسنتهم؛ التي تعكس ذلك الاعتقاد قولهم: (There is nothing we cannot do) (لا يوجد شيء لا نستطيع فعله) .. مع أننا نرى كيف يفعل الله تعالى بهم ما يشاء -أفرادا ومجتمعات- ولا راد لقضائه وقدره !!

أمّا أهل الإسلام فيعتقدون أن الإنسان مُخيَّر ومُسَيَّر، قال الشيخ ابن باز: “فهو -يعني الإنسان- مُخيَّرٌ من جهة ما أعطاه الله من المشيئة والقُدرة والاختيار والفهم، ومُسَيَّرٌ من جهة أنه لا يخرج عن قدر الله” [موقع الشيخ على النت] !!

الوقفة الثالثة:

جهلهم بسُنن الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل:

قال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: ٤٣] !!

إن كُفر الحضارات المادية باللوح المحفوظ؛ وكذلك كُفرهم بالقرآن؛ قد فوَّت عليهم معرفة سُنن الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل؛ المبثوثة في القرآن الكريم !!

من هذه السُّنن: إهلاك الأمم الكافرة وإنزال العذاب الشديد بها، قال تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء: ٥٨]، قال أهل التفسير: “يتوعَّد الله الكفار بأنه ما من قريةٍ كافرة مكذبة للرسل إلا وسينزل بها عقابه بالهلاك في الدنيا قبل يوم القيامة أو بالعذاب الشديد لأهلها، كتاب كتبه الله وقضاء أبرمه لا بد مِن وقوعه، وهو مسطور في اللوح المحفوظ” !!

وبعد، فهذه سُنة واحدة من سُنن الله تعالى -التي لا تتبدل ولا تتحول- تحذر البشرية من عاقبة الكفر الوخيمة، فكيف لو تتبعنا باقي السُّنن الإلهية؛ وهي كثيرة ؟!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه عظيم قدْر اللوح المحفوظ !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..