الحلقة السابعة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: ٧] !!
أيقن أهل الإسلام -من كتاب ربهم- أن الله تعالى سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: ١٣] !!
وعلاقة التسخير بين الإنسان وباقي المخلوقات لا تنضبط إلا بشرع المُسخِّر سبحانه، وهذا من البدهيات حتى في تعامل الناس مع بعضهم البعض، إذ لو أعطى فرد من الناس شخصا آخر عارية ينتفع بها؛ لكان من المسلمات أن يحسن استخدامها .. ولله سبحانه المثل الأعلى !!
ومن هذه المخلوقات المُسخرة ما أطلق عليه القرآن الكريم لفظة {زِينَة}، كما جاء ذلك في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: ٧]، والزينة فسرها الإمام السعدي: “جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها” [تفسير السعدي (٤٧٠)] !!
وقد استيقن أهل الإسلام -من قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: ٧]- أن هذه الزينة من الأهمية بمكان، حيث لابد من التعامل معها -إمّا بتعامل المسلم معها بمفرده؛ أو بالاشتراك مع غيره في التعامل معها- وفي كلتا الحالتين يجب أن يكون تعامله خالصا لله تعالى؛ وصوابا باتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا التعامل !!
وهنا سؤال يطرح نفسه:
كيف يصبح الإنسان جاهلا بالتعامل الصحيح مع ما سخره الله تعالى له من مخلوقات ؟
الجواب:
بتمرده على عبادة خالقه العظيم يصبح الإنسان جاهلا بالتعامل الصحيح مع باقي المخلوقات، إذ التمرد على عبادة الله تعالى يعني عدم الانقياد لشرعه الحكيم -الذي نزل على قلب خاتم رسله صلى الله عليه وسلم- والذي فيه الهدى للتعامل الصحيح مع جميع المخلوقات !!
والمدهش في كتاب ربنا تعالى مجيء ذكر الطائعين لله تعالى؛ والمتمردين عليه في آية واحدة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: ١٨] !!
وفي عصرنا، نجد مجتمعات الحضارات المادية؛ التي تمرد أكثر شعوبها على عبادة الخالق العظيم؛ وامتنعت عن السجود له سبحانه -{وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}- نجدهم قد فاتهم الخير الكثير ممّا جاء به الإسلام في شأن التعامل مع ما سخره الله لهم من زينة على هذه الأرض، بل وقعوا في الشرك في تعاملهم الخاطئ مع هذه الزينة في أحيان كثيرة -كما سيأتي بيانه- وأعظم أمر تمردوا فيه هو نسبتهم هذه المخلوقات المُسخرة إلى خلْق الطبيعة .. تعالى الله عمّا يقول الكافرون علوا كبيرا !!
والسؤال الثاني والأخير في هذا المقال:
ما صور التعامل الخاطئ لغير المسلمين مع أنواع الزينة التي سخرها الله تعالى للناس في الأرض ؟
الجواب:
لا يشك أحد أن المسلمين وغيرهم قد انتفعوا من هذه الزينة، غير أن ما تميز به أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ أن لديهم المعرفة الصحيحة التي يحتاجونها لتنظيم العلاقة بينهم وبين مخلوقات الله الأخرى، وسأقف وقفات مع بعض هذه المخلوقات:
الوقفة الأولى: الدواب:
قال تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: ٥]، الأبقار مثلا، بدلا من أكلها وشرب ألبانها؛ عبدها أكثر من مليار -من الهندوس- من دون الله تعالى !!
والكلاب التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان) [متفق عليه]؛ اقتناها الكثير من غير المسلمين لتخالطهم داخل البيوت -بسبب الوحدة التي أفرزتها قيم مجتمعاتهم-، وورّث أحدهم ما تركه من مال لكلبه !!
ولحم الخنزير الذي حرّم العليم الحكيم أكله؛ أحله المليارات من البشر !!
الوقفة الثانية: الحديد:
شذ البعض من غير المسلمين عن دائرة الاستخدامات النافعة للحديد؛ إلى استخدامات شركية؛ فصنعوا منه الأصنام؛ يعبدونها من دون الله تعالى -كتمثال بوذا الذي يعبده أكثر من خمسمائة مليون من البشر-، قال تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: ٧١]، وصنعوا من الحديد الصُلْبان التي يعبدها أكثر من مليارين من النصارى !!
الوقفة الثالثة: النباتات:
كما شذ البعض من غير المسلمين عن دائرة الاستخدامات النافعة للنباتات؛ إلى استخدامات مُفسِدة، حيث صنعوا من أقمشة النباتات أنواعا من الألبسة الخادشة للحياء، وقد بين الله في كتابه الكريم أن من أهداف الشيطان الكبرى تعرية البشرية من اللباس الساتر !!
وصنعوا من بعض الفواكه الخمور، قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنِبوا الخمرَ؛ فإنَّها مِفتاحُ كلِّ شرٍّ) [حسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٣٦٨)]، كما زرعوا الحشيش !!
أما الأخشاب -ومصدرها الأشجار- فقد صنعت منه دول الحضارة المادية الكثير من المعازف المختلفة؛ التي ألهتهم عن البحث عن الدين الحق؛ بسبب لهوهم بالموسيقى الصاخبة؛ بأسمائها المتعددة؛ المذكورة على الشبكة العنكبوتية، مثل: الروك أند رول، والبوب، والراب، والجاز، والبلوز، وغيرها !!
الوقفة الرابعة: الأنهار:
قال صلى الله عليه وسلم: (المسلِمونَ شُركاءُ في ثلاثٍ، في الكَلَإِ، والماءِ، والنَّار) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٦٧١٣)]، من هديه صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الماء -كما في الحديث- الشراكة فيه، ولمّا غاب هذا الهدي عن غير المسلمين فوجئنا بحرب جديدة أسموها: (حرب المياه)، حيث تُبنى السدود الضخمة للتحكم في تدفق مياه الأنهار، وغير ذلك من الأعمال العدائية بقصد احتكار المياه !!
الوقفة الخامسة: الموجات الكهرومغناطيسية (موجات الأثير):
أما موجات الأثير التي سخرها الله تعالى للناس، -وداخلة في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ • وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: ٣٨-٣٩]، قال الشيخ السعدي في تفسيرها: “أقسم تعالى بما يبصر الخلق من جميع الأشياء وما لا يبصرونه”- فقد شذ البعض من غير المسلمين عن دائرة الاستخدامات النافعة لها -في وسائل التواصل- إلى استخدامات آثمة: كنشر المعتقدات الباطلة، والإلحاد، والإباحية، وترويج الفساد !!
وبعد، ستفنى هذه الزينة -التي جعلها الله تعالى على الأرض- يوم القيامة، قال تعالى في الآية الكريمة التي تلت آية التأمل: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: ٨]، ويبقى تعامل الإنسان معها في الدنيا مسجلا -له أو عليه- ليوم الحساب !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وكلفنا فيه أن نحسن العمل في تعاملنا مع الزينة التي جعلها الله على هذه الأرض !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..