الحلقة السادسة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: ٣] !!
سنّ لنا صلى الله عليه وسلم منهجا ربانيا حكيما سديدا تجاه الساعة: وهو أن نجمع لها بين أمرين:
الأول: الإعداد لها بالقول والعمل الصالح، في الحديث: أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “مَتَى السَّاعَةُ يا رَسولَ اللَّهِ؟”، قالَ: (ما أعْدَدْتَ لَهَا ؟) [متفق عليه] !!
الأمر الثاني: لم يكن صلى الله عليه وسلم حريصا على معرفة وقت قيام الساعة، ونحن تبع له في ذلك، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: ١٨٧]، قال الإمام السعدي: “هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحف -مُلِح- عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك -لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه- غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلِم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء -أي الإلحاح- عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه”[تفسير السعدي (٣١٠)] !!
بل قد عني القرآن الكريم ببيان موضوع إخفاء أمر الساعة بأسلوب بديع، قال تعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} [طه: ١٥]، قال الإمام الشنقيطي: “معنى الآية: أكاد أخفيها من نفسي، أي لو كان ذلك يمكن، وهذا على عادة العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم، والواحد منهم إذا أراد المبالغة في كتمان أمر قال: كتمته من نفسي، أي لا أبوح لأحد”[دفع إيهام الاضطراب (١٤٩)] !!
وإذا كان أهل الإسلام قد هُدوا -بفضل من الله وتوفيقه- إلى ضرورة الاستعداد لقيام الساعة؛ فما بال غير المسلمين -الذين بلغوا الذروة في محاسبة بعضهم البعض في هذه الدنيا: مديرين المؤسسات يحاسبون موظفيهم بدقة وصرامة تجنبا للخسارة والكساد، وحتى الرياضة لها باعها في محاسبة اللاعبين؛ من قِبَل حكام صارمين- أقول ما بال غير المسلمين -وقد عرفوا أهمية المحاسبة- في غفلة عن أمر الساعة الجلل العظيم، قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: ٣١] ؟!!
ثم إذا كان أهل الدنيا يسعون لإيجاد نظام مُحكم للإحاطة بسلوك المُحاسَبين -كنظام البصمة، والكاميرات، والتقارير، وغيرها- فإن حساب الله تعالى للناس قائم على علم شامل؛ تحدثت عنه الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: ٣]، لا شيء يغيب عن علم الله تعالى، حتى ظُلم الشاة للشاة له حساب يوم تقوم الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: (لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَومَ القِيامَةِ، حتَّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرْناءِ) [رواه مسلم (٢٥٨٢)]، فكيف بظلم الظالمين، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [ابراهيم: ٤٢] ؟!!
وكما هو شأن الكفار في الدنيا -الكذب والإفك- كذلك يكذبون يوم تقوم الساعة؛ بأنهم لم يُعطوا وقتا كافيا في الدنيا؛ للتفكر والاعتبار، قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الروم: ٥٥]، قال الإمام السعدي: “يخبر تعالى عن يوم القيامة وسرعة مجيئه، وأنه إذا قامت الساعة {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ} باللّه أنهم {مَا لَبِثُوا} في الدنيا إلَا {سَاعَة} وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر واستقصار لمدة الدنيا. ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له قال تعالى: {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} أي: ما زالوا -وهم في الدنيا- يؤفكون عن الحقائق ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذَّبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي الآخرة أنكروا الأمر المحسوس وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم القبيح والعبد يبعث على ما مات عليه”[تفسير السعدي (٦٤٥)] !!
وعند قيام الساعة يستيقن الناس من عظيم صفات الله تعالى ما يُفرِحُ أهل الإيمان ويُسعِدُهم، وفيما يلي أقف وقفتين مع صفتين لله تعالى:
الوقفة الأولى: صفة العدل:
قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: ١٤]، قال ابن كثير: “قال قتادة: هي -والله- الفُرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني: إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما”[تفسير ابن كثير (٦/ ٣٠٧)] !!
الجنة تتجلى فيها صفة العدل لله تعالى: حيث يفترق فيها الأبرار عن الفجار -بعدله سبحانه- بعكس اختلاطهم في الدنيا؛ تجد الأبرار والفجار في مجتمع واحد، هكذا يريد منا ربنا أن نتخيل الجنة خالية من أصحاب الصفات الذميمة الشنيعة .. لا وجود فيها لعُبّاد الصليب ولا لغيرهم من المشركين، قال تعالى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار} [المائدة: ٧٢] .. لا وجود فيها لِلَغو السيئين وأكاذيب المفترين، قال تعالى: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} [النبأ: ٣٥] .. ولا وجود فيها للظلم والظالمين، قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: ٥٣] !!
وحتى نُقرِّب معنى السعادة التي تغمر المؤمنين؛ حين يتمايزون ويفترقون عن الفجار في الآخرة؛ أقول:
يفرح الناس بمعرفتهم -في هذه الدنيا- ولو لشخص واحد من أهل التُقى والخُلُق الرفيع، فكيف بالجنة وأهلها كلهم من الأبرار الأتقياء الأنقياء ؟!!
الوقفة الثانية: صفة القدرة:
قال تعالى: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النحل: ٧٧] !!
ألا ما أعظم قدرة الله تعالى! في الوقت الذي يحتاج الناس -في الدنيا- إلى حيز من الزمان لإنجاز مشاريعهم -مهما صغُرت-؛ فإن إحياء البشرية من موتها -آدم عليه السلام؛ وحتى آخر إنسان- وبعثهم يوم تقوم الساعة؛ لا يستغرق ذلك على القدير سبحانه ولا حتى قدر لمح البصر .. سبحانك ربي ما أعظمك !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وحثنا فيه على الاستعداد للساعة !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..