الحلقة الرابعة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: ٧٠] !!
واجه كفار قريش دعوة خاتم المرسلين -عليه الصلاة والسلام- بشدة وضراوة، ثم نصر الله تعالى المسلمين عليهم في غزوات عدة، وبعد غزوة تبوك أقبلت وفود قبائل العرب تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة .. حقا لقد كان كفار قريش عقبة في طريق نشر الإسلام -لكنها كانت عقبة وزالت-، بل وتحول العرب بعد ذلك إلى أن يكونوا مادة الإسلام وحماته وحملته للعالمين .. وبقي الخطاب القرآني عن قريش وعبادتها للأصنام محفوظا -بحفظ الله تعالى للقرآن- ليواجه عبدة الأصنام في كل زمان ومكان !!
غير أن أهل الكتاب؛ الذين كانوا أعلم أهل الأرض بصفات نبي آخر الزمان -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في كتبهم، قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٤٦]، أقول غير أن أهل الكتاب لم يدخلوا جميعهم في الإسلام كما فعلت قبائل العرب -وكان إسلامهم هو الأولى لهم لو فعلوه- بل عادوه باستكبار وحقد شديدين -كما سيأتي بيانه-، ولذلك استمر الوحي في فضحهم؛ حتى كان آخر ما قال عنهم صلى الله عليه وسلم في مرض موته: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)[متفق عليه]، كما أننا نسأل الله تعالى -يوميا- في كل ركعة من صلاتنا -في سورة الفاتحة-: ألا يجعلنا نسلك طريق المغضوب عليهم -اليهود-؛ ولا طريق الضالين -النصارى-، قال تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: ٧]، أجمع علماء التفسير أن المغضوب عليهم هم اليهود؛ والضالين هم النصارى !!
وقد انتفع فعلا بعض الصادقين من أهل الكتاب -الباحثين عن الحق- بما كان في كتبهم من بشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فاستسلموا لله رب العالمين؛ واتبعوا سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: ١٩٩]، قال أهل التفسير: “وإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب” .. وها هم الباحثون عن الحق من أهل الكتاب -في عصرنا- يدخلون في دين الله تعالى؛ ويعودون إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها !!
وقد صرحت الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ}؛ بتكذيبهم وكفرهم، قال أهل التفسير: “يا أهل التوراة والإنجيل لم تجحدون آيات الله التي أنزلها على رسله في كتبكم، وفيها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الرسول المنتظر، وأن ما جاءكم به هو الحق، وأنتم تشهدون بذلك؟ ولكنكم تنكرونه” !!
ومن صور هذا الإنكار ما حكاه القرآن عن اليهود، قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: ٨٩]، قال أهل التفسير: “وحين جاءهم القرآن من عند الله مصدقا لما معهم من التوراة جحدوه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا قبل بعثته يستنصرون به على مشركي العرب، ويقولون: قَرُبَ مبعث نبيِّ آخرِ الزمان، وسنتبعه ونقاتلكم معه. فلمَّا جاءهم الرسول الذي عرفوا صفاتِه وصِدْقَه كفروا به وكذبوه. فلعنةُ الله على كل مَن كفر بنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه الذي أوحاه الله إليه” !!
هذا، وإن ممّا دعاني إلى كتابة هذا المقال هو ضرورة بيان: أن التكذيب برسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم؛ من قِبَل أعظم طائفتين كتابيتين على وجه الأرض -اليهود والنصارى- يُعدّ منعطفا كبيرا وخطيرا نحو إضلال الناس في تاريخ البشرية؛ كونه يأتي من فئتين تملكان بقايا كتب منزلة من رب العالمين -بالرغم ممّا أصابها من تحريف-، وقد حذر القرآن الكريم من هذا الضلال الكبير الذي سيقع على الناس جراء ذلك التكذيب، قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: ٧٧] !!
والسؤال الذي يطرح نفسه:
كيف عالج القرآن الكريم التواءات أهل الكتاب؛ علّهم يرجعوا عن غيهم وكفرهم بالله تعالى؛ وبرسوله صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب:
بيّن لنا الكتاب الحكيم أن الحاقدين من أهل الكتاب لم يتركوا سبيلا للصد عن سبيل الله تعالى إلا سلكوه؛ سواء بالقوة الصلبة: كمحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، والاصطفاف مع قريش في حربها للرسول صلى الله عليه وسلم، والحروب الصليبية، وحروب الكيان الغاصب؛ وهذا الجانب يعرفه المسلمون ولا حاجة لي هنا بالحديث عنه !!
أو باستخدامهم لما يُطلق عليه بالقوة الناعمة -شتى أنواع المكر والكذب والخداع- للصد عن سبيل الله تعالى، وهو ما سأقف معه في وقفتين فقط:
الوقفة الأولى:
التهوين من مكانة الدين الحق -الإسلام- بالتطاول حتى على مُنزِّلِه .. الله رب العالمين:
قال تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: ١٨١] !!
وقال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: ١٧] !!
وكان من آثار ذلك؛ صدّ أتباعهم عن الدخول في دين الإسلام؛ وصد غيرهم، ولا غرابة أن نرى تعداد النصارى اليوم -بالرغم من هشاشة وبطلان عقائدهم- قرابة مليارين وأربعمائة مليون نسمة؛ بعد أن هان دين الإسلام في نفوسهم !!
الوقفة الثانية:
أطال القرآن الكريم في بيان كذب الحاقدين من أهل الكتاب؛ وخداعهم وتلبيسهم على الناس -مع كونهم يدّعون أنهم أحباب الله-، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: ١٨] !!
وفيما يلي نموذج واحد فقط من مكرهم:
الكذب الصُّراح:
يدّعون أن إبراهيم عليه السلام -الذي أرسله الله تعالى بزمن طويل قبل مبعث موسى وعيسى عليهما السلام- كان على دينهم، حيث يدّعي اليهود أنه كان يهوديا؛ ويدّعي النصارى أنه كان نصرانيا .. ولنا أن نتصور كيف سيتعلق أتباع اليهود والنصارى بباطلهم؛ إذا قيل لهم إن أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام كان على ملتهم ؟!
قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: ٦٧] !!
ويبقى الكثير من آيات الكتاب العزيز التي تحدثت عن ألوان أخرى من مكرهم وخداعهم وتلبيسهم الحق بالباطل؛ والتي تفضح حقدهم ومكرهم في كل عصر !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبين لنا فيه عظيم خطر اليهود والنصارى !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..