التأمل المفيد (٤٤٢)

الحلقة الثالثة والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: ٥]، قال الإمام السعدي: “يعني: يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر نحوه، مستصحبا الرجاء، مؤملا الوصول إليه، ولكن، ما كل من يَدَّعِي يُعْطَى بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن اللّه سميع للأصوات، عليم بالنيات، فمن كان صادقا في ذلك أناله ما يرجو، ومن كان كاذبا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح” [تفسير السعدي (٦٢٦)] !!

حَدَثٌ عظيم تهفو إليه قلوب الموحدين من أهل الإسلام؛ أبرزته الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}؛ وهو لقاء الله تعالى في جنات النعيم؛ الذي حُرِمت منه جميع طوائف الكفر والضلال، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: ١٥]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: ٧٧] !!

وحتى نُقرِّب إلى تصورنا ما يحمله حِرمان الكافرين من لقاء الله تعالى يوم القيامة -من ألم وعقاب نفسي وجسدي شديدين-، أقول:

لو خسرت مجتمعات الحضارات المادية -في هذه الدنيا- جميع ما تملكه؛ من أنفس، وثروات، وجيوش، وعتاد، واقتصاد؛ في كوارث عاتية؛ كالفيضانات، أو الجفاف، أو الزلازل، أو البراكين؛ أو بسبب خوض حروب تقليدية أو نووية؛ كل هذه الخسائر وهذا الدمار -لو وقع- لما ساوى ولا هباءة بجانب خسارة الحِرمان من لقاء الله تعالى -النظر إليه؛ وسماع كلامه سبحانه- وما يتبع هذا الحِرمان من العذاب الأليم، قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم: ١٦] !!

وفي المقابل، فإن الموحدين من أهل الإسلام تتوق نفوسهم لهفة إلى لقاء الله تعالى، حيث علّمهم رسولهم -صلى الله عليه وسلم- أن يدعوا الله تعالى قائلين: (وأسألُك لذَّةَ النَّظرِ إلى وجهِك الكريمِ ، والشَّوقَ إلى لقائِك) [صححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٠١)] !!

بل تجدهم يصبحون ويمسون على ذكر الموت -بقراءة أذكار الصباح والمساء-، والموت يذكرهم بالأمل الكبير في لقاء الله تعالى، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ، أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرِهَ لقاءَ اللَّهِ، كرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ، فقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ كراهيةُ لقاءِ اللَّهِ في كراهيةِ لقاءِ الموتِ، فَكُلُّنا يَكْرَهُ الموتَ، قالَ: لا، إنَّما ذاكَ عندَ موتِهِ، إذا بُشِّرَ برحمةِ اللَّهِ ومغفرتِهِ، أحبَّ لقاءَ اللَّهِ، فأحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، وإذا بُشِّرَ بعذابِ اللَّهِ، كرِهَ لقاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لقاءَهُ) [متفق عليه] !!

وقد زخَر القرآن الكريم بالحديث عن لقاء الموحدين من أهل الإسلام لخالقهم العظيم؛ صراحة في بعض الآيات؛ وضمنا في كثير غيرها !!

من النصوص التي صرحت بذلك؛ قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ • إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: ٢٢-٢٣]، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ٤٦]، وفي الحديث: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ البَدْرِ، فَقالَ: (إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيَامَةِ كما تَرَوْنَ هذا، لا تُضَامُونَ في رُؤْيَتِهِ) [متفق عليه] !!

وأمّا الآيات التي تضمنت -بدون تصريح- لقاء الموحدين لخالقهم العظيم:

أولا:

قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: ٢٦]، قال أهل التفسير: “للمؤمنين الذين أحسنوا عبادة الله فأطاعوه فيما أمر ونهى، الجنةُ، وزيادة عليها، وهي النظر إلى وجه الله تعالى في الجنة” !!

ثانيا:

كل آية بشرت بالجنة فإنها تضمنت لقاء الله تعالى ورؤيته، لقوله تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: ٣٥]، قال أهل التفسير: “لهؤلاء المؤمنين في الجنة ما يريدون، ولدينا على ما أعطيناهم زيادة نعيم، أعظَمُه النظر إلى وجه الله الكريم” !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

كيف يضمن المنتسبون إلى الإسلام نيل هذا الفوز العظيم؛ لقاء الله تعالى في جنات النعيم ؟

الجواب:

الأمل بلقاء الله تعالى في الآخرة يدفع المنتسبين إلى الإسلام إلى الابتعاد عن جميع القبائح الشنيعة التي تسببت في حِرمان الكافرين من ذلك اللقاء العظيم، من ذلك:

أولا:

أعظم ما يتصف به أهل الإسلام هو توحيد الله تعالى؛ مخالفين بذلك الكفار الذين يشركون مع الله آلهة أخرى؛ فحُرِموا لذلك من لقاء الله تعالى؛ ولهم عذاب أليم:

قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: ١١٠] !!

ومن عظيم أثر التوحيد على المسلمين: أن الواحد منهم؛ حتى لو لم يتب من الكبائر؛ ومات مصرا عليها؛ فهو تحت مشيئة الله تعالى -إن شاء سبحانه غفر له؛  وإن شاء أدخله النار- لكنه لا يخلد فيها إن عذبه؛ بل يخرج منها -متى شاء الله تعالى- ويدخل الجنة؛ وينعم برؤية الله تعالى، وهو -بالرغم من كبائره- يُعد ممّن اصطفاهم الله، قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: ٣٢]، ألا ما أعظم التوحيد؛ وما أجلّ أثره على أهله !!

ثانيا:

يتصف أهل التوحيد بالصدق في التمسك بأهداب الدين؛ واتِّباع سنة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم -حتى لو وقعوا في الذنوب-، مخالفين بذلك الكفار الذين جعلوا من دين الإسلام -الذي لا يقبل الله تعالى من أحد دينا سواه- لهوا ولعبا، بل زادوا على ذلك بأن عادوه وحاربوه؛ فحُرِموا لذلك من لقاء الله تعالى؛ ولهم عذاب أليم:

قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف: ٥١] !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبشرنا فيه بلقائه سبحانه في الآخرة !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..