التأمل المفيد (٤٤٠)

الحلقة الحادية والعشرون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!

قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: ٣٢]، قال أهل التفسير: “يريد الكفار بتكذيبهم أن يبطلوا دين الإسلام، ويبطلوا حجج الله وبراهينه على توحيده الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويأبى الله إلا أن يتم دينه ويظهره، ويعلي كلمته، ولو كره ذلك الجاحدون”  !!

إننا في هذا العصر الذي نرى فيه الأعداء -من شتى مِلل الكفر والضلال- يكيدون للإسلام، بحاجة إلى أن نذكّر أنفسنا بهوان كيدهم وضعفه؛ كما جاء في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}, فمن ذا الذي يطفئ نور الشمس بِفِيهِ؛ فكيف بنور الله تعالى -القرآن الكريم- ؟! ثم تختم الآية الكريمة بالتبشير بأن الله تعالى سيتم نوره ولو كره الكافرون: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .. ثم تأتي الآية التي تلي آية التأمل في هذا المقال لتزيد البشارة تأكيداً، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: ٣٣] !!

والسؤال الذي يطرح نفسه:

كيف تناولت نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة موضوعي: 

هوان كيد الكافرين وانحراف معتقدهم وسخافة فكرهم؛ وموضوع البشارة بظهور الإسلام على سائر الأديان ؟

الجواب:

يدرك المتأمل في كتاب الله تعالى أن كلا الموضوعين يدل بعضهما على بعض -كما كان ذلك واضحا في آية التأمل والآية التي بعدها- فإن حديث القرآن عن هوان كيد الكافرين؛ وسخافة فكرهم يبشر بعلو الإسلام وظهوره، كما أن البشارة بظهور الإسلام تؤكد على سقوط كيد الكافرين لا محالة، ولبيان ذلك أقول وبالله التوفيق:

أولا:

هوان كيد الكافرين:

وصم الله تعالى الكافرين بأبشع وأقبح الأوصاف، وهذا بلا شك ممّا يهون من سعيهم لإطفاء نور القرآن، من ذلك:

قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: ١٧١]، وهل يصدر من الناعقين-الصُمّ البُكْم العُمْي- إلا التافه من الأقوال والأفعال ؟!!

كما وصف الله تعالى الكافرين بأوصاف قبيحة أخرى: فهم لا يعقلون، ولا يفقهون، وفي طغيانهم يعمهون، وهم شر البرية، وغير ذلك من قبائح الأوصاف !!

ولا شك أن هذه أوصاف قوم لا يصدر منهم إلا تافه الأقوال والأفعال؛ وتحمل في طياتها البشرى بعلو الإسلام وظهوره !!

ثانيا:

البشارة بظهور الإسلام:

تنوعت الموضوعات التي تناولت الحديث عن البشارة العظيمة -بأن الله تعالى سيتم نوره؛ وأن الإسلام سيظهر على سائر الأديان- أقول تنوعت البشارة ما بين التصريح بها تارة؛ وبين موضوعات أخرى يدل مضمون النصوص الشرعية فيها على هذه البشارة !!

أمّا التصريح بالبشارة بظهور الإسلام -فإنه بالإضافة إلى آية التأمل في هذا المقال- فهذه كذلك بعض النصوص الشرعية المُصرِّحة بها:

 قال صلى الله عليه وسلم: (لَيَبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلَغَ اللَّيلُ، ولا يَترُكُ اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخَلَه اللهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ، يُعَزُّ به الإسلامُ، وبذُلِّ ذليلٍ يُذَلُّ به الكُفرُ) !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ زوَى لي الأرضَ فرأَيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها فإنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلْكُها ما زوَى لي منها) [رواه مسلم (٢٨٨٩)] !!

وأمّا الموضوعات التي دلت على البشارة بظهور الإسلام -بدون تصريح- ولكن بما تضمنته من معان عِظام فهي كثيرة؛ منها:

التعريف بمُنزِّل القرآن الكريم سبحانه -أسمائه الحسنى وصفاته العليا- قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [طه: ٨]، وقد صنف العلماء في ذلك المصنفات .. وهذا العلم الشريف من أعظم البشائر التي تضمنت ظهور الإسلام على جميع الأديان؛ إذ لا غالب إلا الله تعالى، قال تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: ٢١] !!

ومنها الحديث عن القرآن الكريم -من ناحية كونه كتابا مُعجِزا- يُعدّ كذلك من أعظم البشائر التي تضمنت ظهور الإسلام على جميع الأديان، قال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: ٨٨] !!

غير أن الحديث عن المضمون العظيم لرسالة الإسلام العظيمة؛ وأن القرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم؛ هو من أعظم البشائر التي تضمنت ظهور الإسلام على جميع الأديان، لأن في ذلك رد على تفاهات فلسفات أرباب الحضارات المادية، وسأختار لبيان ذلك أمرين عظيمين:

الأمر الأول: الإسلام دين الفطرة:

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه} [الروم: ٣٠] !!

وقال صلى الله عليه وسلم: (كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه) [متفق عليه] !!

إذا فُطِر شيء على أمر ما؛ فلا ينبغي لعاقل معاكسة فطرة هذا الشيء .. فالسيارة مثلا: فطرها صُنَّاعُها للسير إلى الأمام -مع القدرة على السير إلى الخلف عند الحاجة-، لو قادها سائق متهور؛ إلى الخلف لمسافة بعيدة جدا؛ لاستهجن الناس فعله .. وودّتْ السيارة -لو كانت تعقل- لو يعيدها بالسير إلى الأمام !!

وكذلك حال الغافل أثناء غفلته عن الله تعالى -معاكسا لما فطره الله عليه- ودّ لو أن أحدا يخرجه من الضنك الذي هو فيه؛ ويعيده إلى الجادة !!

هذا الموضوع الكبير -الإسلام دين الفطرة- تجهله المجتمعات المادية برمتها؛ حين اختارت معاكسة الفطرة بنبذها كتاب الله تعالى .. أمّا أهل الإسلام فإنهم قد واكبوا الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ باستسلامهم لله تعالى، وهذا من أكبر البشائر لظهور الإسلام على سائر الأديان !!

الوقفة الثانية: الإسلام دين القِيَم الربانية العظيمة:

قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: ١٦١] !!

إن أخطر ما يصيب الحضارات المادية بالانهيار والأفول على مدى العصور: هو خلوها من القِيَم الربانية؛ التي بها تنشأ الأُسر المطمئنة؛ وعليها يقوم المجتمع القوي المتماسك، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ) [صححه الألباني في صحيح الجامع (٢٣٤٩)]، والمجتمع إذا فقد القِيَم الصحيحة أضحى كالبناء الذي لا أساس له؛ فإنه ساقط لا محالة !!

وقد اختار الله تعالى لهذه الأمة رسولا قدوة وأسوة للمؤمنين -صلى الله عليه وسلم- تَمَثّل بقيم الإسلام العظيمة كلها، قال تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ٢١] !!

وإن تمسك أهل الإسلام بالقيم الربانية لهو من أعظم البشائر لظهور الإسلام؛ مقابل مجتمعات ارتضت الإباحية نمطا لحياتها الاجتماعية؛ فهي آيلة إلى السقوط بإذن الله تعالى !!

فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وبشرنا فيه بظهور الإسلام على سائر الأديان؛ وبهوان كيد الكافرين !!

اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!

اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..

نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..

 كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..

انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..

وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..