الحلقة الثالثة والثلاثون بعد المائة من سلسلة: “سماحة الإسلام؛ دين الحنيفية”، قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) [السلسلة الصحيحة (٢٩٢٤)] !!
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: ٣٥]، قال الإمام السعدي في معنى قوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}؛ “القرب منه، والحظوة لديه، والحب له” [تفسير السعدي (٢٣٠)] !
من أعظم ما يدهشني في كتاب ربي تعالى: هو أن خالق هذا الكون العظيم .. الذي له ملك السماوات والأرض .. من له الأسماء الحسنى والصفات العليا .. ملك يوم الدين .. المحيي المميت .. هذا الإله العظيم يتلطف في مخاطبة عباده المؤمنين بأرق وأجمل الحديث؛ كما في الآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}؛ يدعونا سبحانه لحبه؛ والقرب منه؛ وأن يكون لنا حظوة لديه !!
وعليه، فهذه دعوة لنفسي وللقارئ الكريم أن ندرك الفرق الكبير والعظيم في مشاعرنا -حين نتفكر في عظمة الله تعالى- أن ندرك الفرق بين مخاطبة ربنا تعالى لنا؛ وبين مخاطبة الناس لنا .. حينما يخاطبني فلان من الناس -مخلوق مثلي- لا يزيد تفكيري فيه عن الرد عليه بما يناسب خطابه؛ كحاجة يريدها فأعطيه إياها؛ أو موضوع للتباحث فيه؛ سرعان ما ينتهي بانتهاء النقاش حوله .. أمّا حينما يخاطبني ربي -وأنا المخلوق الضعيف- وهو سبحانه مالك الكون علام الغيوب؛ فإن القلب يخفق؛ والعين تدمع؛ والمناجاة تطيب؛ مع شعوري بقربه سبحانه مني بعلمه؛ يراني ويسمعني؛ وهو يخاطبني -في كتابه الكريم- بأرق وأجمل الكلمات .. إن هذه المشاعر حقا هي جنة هذه الدنيا !!
والآية الكريمة -التي هي موضع التأمل في هذا المقال-: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}؛ إنما هي مثال واحد من بين كثير من الآيات الكريمات التي يتلطف فيها ربنا تعالى في حديثه لعباده المؤمنين -في الدنيا والآخرة- بما يغمر قلوبهم فرحا وسرورا !!
وفي المقابل نجد توبيخ الله تعالى وتقريعه لأهل الباطل -في الدنيا والآخرة- يأتي على نحو شديد؛ تنخلع منه القلوب خوفا !!
ولعلي أبدأ بالحديث عن تلطف الله تعالى في خطابه لعباده المؤمنين، فأقول وبالله التوفيق:
من لطيف خطاب الله تعالى لنا -وهو خالق الكون سبحانه- ثناؤه علينا، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} [الأحزاب: ٤٣]، قال أهل التفسير: “هو الذي يرحمكم ويثني عليكم” !!
ومن لطيف خطاب الله تعالى لنا -وهو خالق الكون سبحانه- إخباره عن قربه منا؛ القرب اللائق بجلاله، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: ١٨٦] !!
ومن لطيف خطاب الله تعالى لنا -وهو خالق الكون سبحانه- أن دعانا لنتخلق بمقتضى اسمه (الطِّيب) لينعكس هذا الطِيب على تعاملنا؛ مع الله تعالى؛ ومع خلقه، قال صلى الله عليه وسلم: (يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: ٥٢]، وقالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: ١٧٢]) !!
ومن لطيف خطاب الله تعالى لنا -وهو خالق الكون سبحانه- أنه إذا أحبنا -متى ما تقربنا إليه بالأقوال والأعمال الصالحة، قال تعالى في الحديث القدسي: (وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ) [رواه البخاري (٦٥٠٢)]-، أقول إذا أحبنا سبحانه فإنه يُحبِّب فينا خلقه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا} [مريم: ٩٦]، قال أهل التفسير: “إن الذين آمنوا بالله واتَّبَعوا رسله وعملوا الصالحات وَفْق شرعه، سيجعل لهم الرحمن محبة ومودة في قلوب عباده” !!
ومن لطيف خطاب الله تعالى لعباده الذين لا يشركون معه شيئا -وهو خالق الكون سبحانه- ما جاء في الحديث القدسي، قال الله تعالى: (يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً)، تلطف ورقة في الخطاب؛ (بقرابِها مغفرة) !!
كذلك يتلطف الله تعالى مع عباده المؤمنين في الجنة -وهو خالق الكون سبحانه- فيقول: (يا أهلَ الجنَّةِ فيقولونَ: لبَّيْكَ ربَّنا وسعدَيْكَ والخيرُ في يدَيْكَ فيقولُ: هل رضِيتُم ؟ فيقولونَ: ما لنا لا نرضى وقد أعطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحدًا مِن خَلْقِكَ فيقولُ: ألا أُعطيكم أفضَلَ مِن ذلكَ فيقولونَ: يا ربِّ وأيُّ شيءٍ أفضَلُ مِن ذلكَ ؟ فيقولُ: أُحِلُّ عليكم رِضواني فلا أسخَطُ بعدَه أبدًا) [متفق عليه] !!
ألا ما أجملها من حياة -في هذه الدنيا وفي الآخرة- ينعم فيها المؤمن بخطاب ربه تعالى؛ المُفعم بالحب والمودة، قال تعالى: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: ٩٠]. وقال تعالى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: ١٤]، قال أهل التفسير في معنى {الْوَدُودُ}: “كثير المودة والمحبة لأوليائه” !!
وأمّا التوبيخ والتقريع لأهل الباطل؛ المتمردين على خالقهم العظيم؛ فهو كثير في كتاب الله تعالى، من ذلك:
لعْنهم وطردهم من رحمته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: ١٦١] !!
ومن خطاب التقريع لهم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: ٨] !!
ومن خطاب التقريع لهم وصفهم بالأنعام، قال تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: ٤٤] !!
كما وصفهم الله تعالى بأنهم نَجَس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا} [التوبة: ٢٨] !!
ويسلط عليهم الرعب في القتال؛ وكفى بكلمة الرعب تقريعا وتخويفا، قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: ١٢] !!
وكذلك لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة بما يسرهم؛ ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: ٧٧] !!
ألا ما أبأسها من حياة -في هذه الدنيا وفي الآخرة- يجني فيها المتمرد على الله تعالى سوء صنيعه؛ بين تقريع وتبكيت وطرد من رحمة الله تعالى؛ وغضب ربه الذي يتوعده بخزي الدارين !!
فالحمد لله الذي هدانا إلى الإسلام -دين الحنيفية السمحة-؛ وخاطب فيه عباده المؤمنين بألطف وأرق الحديث !!
اللهم حرر المسجد الأقصى؛ واحفظ المسلمين في فلسطين؛ وانصرهم على عدوك وعدوهم !!
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك ..
نواصل الحديث -بعون الله وتوفيقه- في الحلقة القادمة ..
كتبه/ محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات .. فؤاد بن علي قاضي .. غفر الله له ولوالديه وللمسلمين ..
انشر .. لعلنا ننتفع جميعا ونؤجر .. قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الدالَ على الخيرِ كفاعله) ..
وللاطلاع على جميع المقالات اكتب في قوقل: مدونة فؤاد قاضي ..