المختصر المفيد – ٦٧

المختصر المفيد (٦٧)
 
الحلقة العاشرة: في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- أستكمل عرض المواجهة العملية الشرعية الجادة المطلوبة للشيطان الرجيم !!

بعد إنشاء مراكز الدراسات المقترحة في الحلقة الماضية عند حديثي عن المواجهة العقدية، المعنية بنشر علم معرفة الله تعالى؛ وتربية الناس عليه، وكذلك المراكز المعنية بفضح الطاغوت الأكبر -الشيطان- يجب أن يتزامن مع عمل هذه المراكز ومشاريعها؛ أهم مواجهة عملية لدحر الشيطان والنصر عليه، وهي:
التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في بلاد المسلمين -أفرادا ومجتمعات- تمسكا جادا يرضي الله تعالى؛ حتى يغير سبحانه أحوال المسلمين ممّا هم فيه من ضعف وتشرذم إلى العزة والنصر والريادة ..

والأمثلة التي تبين أن وراء ضعف المسلمين على مدار التاريخ -على مستوى الأفراد والمجتمعات- هو تزيين الشيطان لهم؛ لينهجوا نهجا غير نهج الله تعالى..الأمثلة التي تبين ذلك لا تحصى:
فبالنسبة للأفراد، فإن في قصة عابد بني إسرائيل، الذي ائتمنه الإخوة الثلاثة على أختهم؛ لما أرادوا السفر ما يُبين لنا خطورة عصيان الله وعدم الاستسلام له، وأن هذا العصيان ما حصل إلا بعد تزيين الشيطان، حتى وقع في الحرام، فعصى الله تعالى بجلوسه معها في البيت، وقد كان يضع لها الطعام ثم يعود لصومعته ، مما يؤكد لنا أن الخطوة الأولى لحرب الشيطان هي التمسك بشرع الله والانقياد له ظاهراً وباطناً .. وأن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم تحفظنا من أن نقع في تزيين إبليس؛ الذي لا ندري كيف ومن أي طريق يأتي؛ ننشغل بطاعة الله تعالى حتى لا يشغلنا الشيطان الرجيم بتزيينه !! (قصة عابد بني إسرائيل) ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء (48/5).

وأمّا على مستوى المجتمعات فقد ذكر لنا القرآن الكريم تزيين إبليس لبلقيس وقومها؛ في قوله تعالى: { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل : ٢٤]، وكذلك تزيين إبليس لعاد وثمود، قال تعالى: { وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت : ٣٨].

وحتى يكون تمسكنا بديننا صحيحا، وحتى نتجنب ما زينه الشيطان لبعض الأفراد وكذلك لبعض المجتمعات من أن الدين يعنى بأمور العبادات فقط؛ دون باقي جوانب حياة الإنسان، فإن في كتاب الله تعالى آية عظيمة في سورة الزمر كفيلة -عند فهمها- أن يعي المسلم أن السعادة كل السعادة في التمسك بدين الإسلام كله، ورفض ونبذ فصل الدين عن الحياة !!
لنقرأ بتأن الآية الكريمة التي يُبين الله تعالى فيها أنه السيد الواحد الأحد، والذي يجب أن يُطاع في كل أمر .. قال تعالى:{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر : ٢٩] .. هذه الآية الكريمة تستخدم مثالا غاية في الوضوح : (العبيد والسادة) .. فلو أن هناك عبدا له سيد واحد .. هكذا تقول الآية: (رَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ ) .. وعبدا آخر له أكثر من سيد: (رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) .. كلنا يعلم أي هذين العبدين حياته أفضل ونفسيته أهدأ وأهنأ ..
لا شك أنه العبد الذي له سيد واحد .. بخلاف من كان له أكثر من سيد .. خمسة أو أكثر من السادة مثلا .. كل واحد منهم يريد منه شيئا ويلقي عليه أمرا .. حتى باتت نفسه ممزقة بينهم ..

هكذا يُبين الله لنا في آية واحدة بمثال واحد سهل ميسر ما معنى التوحيد .. لأن التوحيد لا يعني أن الله واحد فقط .. فحتى إبليس يقول إن الله واحد .. لكن توحيد الله يعني أن الله واحد سبحانه له الأسماء الحسنى والصفات العليا، ويعني كذلك -كما في الآية السابقة- أنه السيد الواحد الذي يجب أن يُطاع .. وأنه لا شركاء ولا آلهة يأمرون عباده معه .. وأنه المُشرِّع للبشرية في كل جوانب الحياة .. في الأمور التعبدية والاجتماعية والاقتصادية .. وباقي جوانب الحياة ..

فكما تأخذ أيها المسلم العبادات وكيفية أدائها من الكتاب والسنة .. فكذلك:
خذ تشريعات حياتك الاجتماعية من الكتاب والسنة ..
وخذ تشريعات اقتصادك من الكتاب والسنة ..
وخذ لباقي جوانب حياتك تشريعاتها من الكتاب والسنة ..

كرر الآية مرة واثنين وثلاثة { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .. كررها حتى تستيقن أنه ليس لك إلا سيد واحد، هو الله تعالى .. وليس معه شركاء يُملون عليك آراءهم لتدير بها حياتك؛ كضغوط البيئة وضغوط المجتمع .. وسِحر وأثر الإعلام غير المحافظ على تشكيل ثقافة الإنسان .. والذوبان في الانفتاح والعولمة، التي جعلت بعض المسلمين يتبنى نمط الحياة الغربية منبهرا به، مع أنه يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله .. قد جعل له سيدا آخر مع الله يدير جوانب من حياته !!

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- خطوات أخرى في المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم في جانبها العملي؛ في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره؛ للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا -ممّا وفقني الله لكتابته- في خطبته أو درسه ..
الثلاثاء ١-٨-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي