المختصر المفيد – ٦٦

المختصر المفيد (٦٦)

الحلقة الرابعة من مقالات في موضوع الإخلاص لله تعالى، حتى نبتعد به عن المرض المقابل لمرض الوسواس القهري في تحري الإخلاص -الذي وصفت بعض أعراضه وعلاجها في الحلقات السابقة- : في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- أبدأ في الحديث عن العلاقة الطردية بين النية الصالحة والعمل الصالح !!
 
الإخلاص طاقة !! فكيف فرط البعض فيها ؟!!
الإخلاص طاقة تدفع المسلم دفعاً عظيماً لا مثيل له لتقديم المزيد من البذل والعطاء في سبيل مرضاة الله سبحانه وتعالى !! لقد كان الإخلاص المبني على العقيدة الصحيحة من الإيمان بالله العظيم وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ومنها أنه سبحانه سميع بصير، ورقيب شهيد، كان هذا الإخلاص -والذي هو قصد وجه الله تعالى عند كل عمل، والمبني على مثل هذه العقيدة، وليس على عقيدة الإرجاء البدعية الخبيثة التي تسببت في استخفاف بعض المسلمين بالعمل الصالح- كان هذا الإخلاص وقوداً يفجر في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم طاقة عظيمة، أحالت خواطرهم إلى خطط وبرامج عظيمة !! وأقوالهم إلى أعمال كبار !! وفكرهم الإسلامي إلى مبادئ وقيم ثابتة !! تخور أمامها قزامة وضحالة الفكر الجاهلي !! ويذوب في وهج وحرارة إخلاصها باطل المبطلين الباهت البارد !!
لقد فجرت طاقة الإخلاص العظيمة مكامن الإبداع في عقول سلفنا الصالح، فكانت تلك القفزات الهائلة في مجالات العلم والعمل المختلفة، التي لولا أنها كانت واقعا يُعاش، لظننا أنها ضرب من الخيال الحالم في عالم المثالية الجميل !!
ولقد وصف الله تعالى طاقة الإيمان والاخلاص العظيمة -والتي غطت الدنيا بوهج نورها الساطع- وصفها الله تعالى بوصف غاية في البلاغة والتأثير، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ • تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}[إبراهيم : ٢٤-٢٥] وهي صورة معبرة لارتباط الأعمال وكثرتها بعمق الإيمان والإخلاص في القلوب، فكلما رأى المؤمن شجرة باسقة مثمرة، أيقن أن لها جذورا ضاربة في أعماق الأرض تقوم بدورها الكبير في مد هذه الشجرة بالغذاء اللازم لهذا النماء العظيم !! وتذكر معها الآية الكريمة وما تؤدي إليه كلمة التوحيد وقوة الإخلاص لله تعالى من أعمال صالحة كبيرة وكثيرة !!

ولا أدل على ارتباط قوة الإخلاص بكثرة الأعمال من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي كان أعلم الناس بأهمية البذل والعطاء !! حتى يُمكَّن لهذا الدين في الأرض !! وإن أعظم حديث يستدل به على أهمية ربط الإخلاص بالعمل، هو حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، والذي كان السلف الصالح رحمهم الله يصدّرون به كتبهم !! حديث أبي حفص رضي الله عنه عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)[رواه البخاري ومسلم] !! ياله من حديث عظيم يصف ارتباط الأعمال بالنيات !! حتى فرق فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين من يهاجر لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن يهاجر للدنيا وشهواتها !! إن هذا الحديث الشريف دليل واضح على أن الإخلاص نيات صالحات مع مختلف الأعمال !! لا أن الإخلاص لا يحصل سوى في عبادة واحدة أو عمل واحد فقط، ثم يبقى مع صاحبه لا ينفك عنه أبدا ولا حاجة لتكراره !! كلا ! إن الإخلاص يجب ممارسته دائما، وهو نيات صالحات يزداد أجرها ودرجتها مع نوع العمل ونفعه !!
وفي حديث آخر يؤكد صلى الله عليه وسلم على العلاقة بين النية والعمل فيقول: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [رواه مسلم (33)]، حقاً إنها القلوب والأعمال، وهذا الارتباط الوثيق بينهما !! ولذلك قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي) !! [جامع العلوم والحكم 2/192] .

صحيح أنه قد تكون هناك نوايا طيبة للإنسان بدون عمل -وهذا أمر طيب ويُجازَى الإنسان عليه- ولكن هذا ليس موضوع حديثي !! موضوع المقال يتعلق بالأمر الذي ينهض بأمة الإسلام !! وهو ارتباط أداء الأعمال الصالحة الكبيرة والكثيرة بالإخلاص في علاقة طردية، يزيد فيها الإخلاص كلما زاد وكبر العمل الصالح، وينقص كلما نقص، خلافا لمن فرط في الأعمال الصالحة، لفصله الإيمان عن العمل، وخلافا كذلك لمن يخيف الناس من كثرة الأعمال الصالحة بكابوس ومرض الوسواس القهري في تحري الإخلاص، الذي يسلطه الشيطان على همم المشمرين عن ساعد الجد والإبداع !!

وهذا الارتباط بين النية والعمل مطلوب شرعاً وعقلاً، وهو رغبة النفوس ذوات الفطر السليمة !! ولذلك يعمل المنهج الإسلامي العظيم بطرق ربانية، للدفع بهذه العلاقة الطردية بين العمل والإخلاص إلى الوضوح !! إذ كلما أمعن المسلم الفكر في مقاصد الإسلام العظيمة وراء حث أتباعه لبذل مزيد من الجهد لرفع راية الإسلام في الأرض، لإسعاد البشرية بشرع الله تعالى، كلما رأى بوضوح حقيقة هذه العلاقة !! وخاصة مع علم المسلم أن الأعمال الكبيرة والكثيرة المطلوبة لخدمة هذا الدين ونصرته يترتب عليها الأجر العظيم والمنزلة الأعلى والأرفع في عليين !! عندها سيختار العاقل طريق الإخلاص وإصلاح النيات لئلا يضيع هذا الأجر العظيم برياء أو سمعة !! وسيراقب الله في جميع أعماله !! وسيصبح متمرساً في اختيار وتنويع الطاعات، وخاصة ذوات الأجر الكبير !! مصاحبا لكل عمل نية صالحة، راجيا أن يكون من المتقين حتى يتقبل الله تعالى عمله !!

إن علينا إذا تكلمنا عن أهمية النية الصالحة أن نقرنها بالحديث عن أهمية العمل الصالح، ونؤكد على ارتباطهما معا كما مر معنا !! ولمزيد من التوضيح والتأكيد على ارتباط الإخلاص بالعمل أضرب هذا المثال: إن الكثير من عوام المسلين -فضلا عن مثقفيهم- يفهمون بداهة عند الحديث عن مجالات العمل المعروفة كالطب أو الهندسة، عن ارتباط الإخلاص بالإنجاز وجودة العمل !! فإذا ما تناقل الناس عن طبيب بأنه مخلص، أو مهندس بأنه مخلص، صُرِف هذا الإخلاص إلى إنتاجهما المميز، وإبداعهما العظيم، وتفانيهما في العمل، وليس لنيتهما الحسنة فقط !!

غير أن هذا الأمر يختلف كثيرا إذا كان الحديث عن الداعية المخلص !! فإخلاصه ينصرف عند الكثير إلى أنه إنسان طيب، محب للخير !! أمّا أوقاته، كيف يستثمرها ؟! ومواهبه وقدراته، كيف يوجهها ويوظفها ؟! وهل رأيناه جادا في طلب العلم مثابرا على ذلك ؟! وهل وجدناه عاكفا على مشاريع دعوية كبيرة يدرسها ويناقشها مع إخوانه الدعاة لدراسة إمكانية تنفيذها ثم متابعتها ؟! وهل كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ؟!.. أم أنا تركنا كل هذه المعايير المهمة !! ووصفناه بالداعية المخلص لإكثاره الحديث عن الإخلاص !! فهل أوحي إلينا بأنه مخلص ؟! أم هل كشفنا عن قلبه فعرفنا أنه من المخلصين ؟! وصدق عمر رضي الله عنه حينما قال (إن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم)[رواه البخاري] ..

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- الحديث عن العلاقة بين الإخلاص والعمل !!

اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
السبت ٢٩-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن قاضي