المختصر المفيد – ٦٥

المختصر المفيد (٦٥)
 
الحلقة التاسعة: في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- سأبدأ بما فتح الله تعالى علي من عرض المواجهة العملية الشرعية الجادة المطلوبة للشيطان الرجيم !!
 
في البداية دعونا نستحضر -قبل الحديث عن المواجهة العملية الجادة مع إبليس وجنده- دعونا نستحضر مواجهة سلفنا الصالح لأعداء الإسلام من المشركين: ألم يعدوا لهم من القوة ما استطاعوا -قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}[الأنفال : ٦٠] ؟!- بلى؛ مع يقينهم أن النصر إنما يأتي من عند الله تعالى !!

والسؤال الذي يطرح نفسه: لو قدّر الله تعالى ونهجت أجيال الأمة المسلمة ذات النسق من الإيمان الصادق والبذل الكبير لنصرة الدين ودحر أعدائه، الذي كان عليه سلف هذه الأمة !! فهل سيواجهون أعداء الإسلام بالسلاح الأبيض ممتطين ظهور الخيل !! في زمن الطائرات والبارجات والغواصات والدبابات ؟!! الجواب: لا بكل تأكيد !! بل سيقومون بالإعداد المناسب من القوة، كما أمرهم ربهم تعالى، موقنين كإيقان سلفهم الصالح؛ أن النصر إنما هو من عند الله تعالى القوي العزيز !!
 
كان ذلك ما احتاجه السلف، وهو ما ينبغي أن يكون عليه الخلف في مواجهة أعداء الإسلام من البشر !!
فكيف عساها كانت مواجهة سلفنا لأكبر الأعداء –إبليس الرجيم وجنده- حتى هزموهم قبل وبعد هزيمتهم لأعداء الإسلام من البشر ؟!!
وكيف ستكون مواجهة خَلَفِهم الصادقين لإبليس وجنده، في عصرنا -بتعقيداته في شتى المجالات !!- لا شك أنها ستكون مواجهة جادة حاسمة، مبنية عل فهم من كتاب ربهم سبحانه وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ناظرة إلى واقع العالم المعاصر وتعقيداته، مستفيدة من الوسائل المتاحة والمناسبة لهذا الواقع، حتى ينقلب بسببها الشيطان -بعد توفيق الله سبحانه- فزعا خائفا من المسلم، كما كان يفرق من عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه في غابر الزمان !!
 
أولا قبل طرح أوجه المواجهة العملية الشرعية لإبليس وجنده في هذا العصر، علينا أن نصطحب في عقولنا ومشاعرنا -على الدوام- جولات القرآن المكثفة لفضح إبليس وجنده، مؤمنين أنه ليس هناك حتى حرف واحد زائد لا حاجة له في كتاب الله تعالى !! فكيف بعشرات الآيات التي حذرت من الشيطان وحزبه ؟!! هذا الاستحضار مطلوب، حتى تستقر حقيقة وشدة عداوته في نفوسنا، وحتى لا ننساه فنعامله وكأنه لا وجود له، مما جعل البعض لا يتحصن بالأذكار الشرعية الثابتة، فضلا عن قيامه بأوجه العداوة العظيمة التي ساذكرها بإذن الله تعالى في هذه السلسلة !!

المواجهة العملية الجادة مع إبليس وجنده !!

أولا: الجانب العقدي !!

من أعظم مقاصد إبليس الرجيم؛ عمله على تجهيل الناس في محورين: أولا: تجهيل قلوب الناس برب العالمين، حتى بلغ تجهيل الناس بربهم مداه، فأمرهم بالكفر به سبحانه، قال تعالى: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر : ١٦]، والمحور الثاني: تجهيلهم كذلك بخطره وكيده ومكره، وزعمه أنه من الناصحين !! قال تعالى: { وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف : ٢١] !!

يمارس عدو الله إبليس هذا التجهيل المزدوج بطرق كثيرة وأساليب متعددة، مما دفع سلفنا الصالح رضوان الله عليهم -في زمن ازدهار الإسلام وقوته- أن يعتنوا بهذين الجانبين؛ من شهادة التوحيد؛ الإيمان الحق بالله تعالى !! والكفر بالطاغوت !! ولا شك أن الشيطان هو أكبر طاغوت يجب فضحه والكفر به !!

قام السلف رضوان الله عليهم بواجبهم تجاه ركني شهادة لا إله إلا الله، من نفي العبودية لغير الله تعالى، وإثباتها له وحده سبحانه، في عصر لم يبلغ من التعقيد وتداخل الحضارات وتواصل الناس وثورة المعلومات؛ كهذا العصر !!
ولمزيد من التوضيح؛ فيما ينبغي علينا فعله لمواجهة تجهيل إبليس الناس بربهم، وتجهيله لهم بطرق كيده ومكره، أبسّط الموضوع للقارئ الكريم بمثال:
أخرج ابن الجوزي رحمه الله كتابه المشهور “تلبيس إبليس”؛ الذي تتبع فيه مكر وكيد إبليس في عصره !! أفلا نحتاج نحن في عصرنا إلى عشرات العلماء من أمثال ابن الجوزي لفضح خطة التنسية والتلهية التي ينفذها الرجيم -إذا جاز لنا التعبير- والتي من خلالها عمِل إبليس على تنسيتنا خطره، كي نستهين به ولا نحاربه، وغيّب عنا حجم الفساد الذي بلغته البشرية هذا القرن، ثم أخذ مع خطة التتسية -بكيده ومكره- في إلهاء البشرية بشتى أنواع الملهيات، ممّا تصنعه هوليود وغيرها من منتجات إعلامية ؟!! ورضوا منه بالوعود والأوهام وسعادة الأحلام، قال تعالى: { يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء : 120] !!

إن الواجب على المسلمين في هذا العصر مواجهة إبليس في تجهيل الناس بربهم وفي تجهيلهم بطرق كيده ومكره، بإقامة مراكز دراسات كبيرة وعديدة في كل بلد إسلامي وغير إسلامي، لكل محور من المحورين الآنفي الذكر، هذان وصفهما !!:

أولا: مراكز دراسات ينبثق عنها مشاريع وبرامج تعنى بنشر العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وتربية الناس عليه !! على غرار ما كتبه السلف في هذا العلم الشريف، وذلك لمواجهة سعي إبليس الحثيث لتجهيل العباد بربهم العظيم !!

ثانيا: مراكز دراسات ينبثق عنها مشاريع وبرامج تعنى بتتبع مكر وكيد إبليس في عصرنا !! على غرار ما كتبه ابن الجوزي في عصره في كتابه العظيم “تلبيس إبليس” !! لفضح الشرور التي لا تعد ولا تحصى، والتي لَبّس فيها اللعين على خلق الله !! حتى بلغ الشر مبلغا خياليا، لم تبلغه البشرية، ولا معشاره من قبل !!

إن مراكز الدراسات هذه -المطلوب إنشاؤها وانطلاقها في أقرب فرصة ممكنة- لن تخدم المسلمين فقط !! بل هي خدمة للبشرية جمعاء !! لأنه مطلوب منا أهل الإسلام أن نعلن للبشرية عن عدوها الأكبر -إبليس- كما علينا أن نعرفهم بإله الحق سبحانه وتعالى !! وهذا هو نهج القرآن الكريم ونهج سنة النبي صلى الله عليه وسلم !!

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم في جانبها العملي، في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الثلاثاء ١٨-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن قاضي