المختصر المفيد – ٦٣

المختصر المفيد (٦٣)
 
الحلقة الثامنة: في هذه الحلقة –بعون الله تعالى وتوفيقه- سأستكمل بما فتح الله تعالى به علي من عرض المواجهة الجادة والعداوة المطلوبة للشيطان الرجيم في جانبها التوعوي، خاصة في هذا العصر !!
 
سؤال: هل لنا أن نتصور الكيفية التي يدير بها إبليس عملياته الإضلالية الإفسادية الخطيرة؛ لبني آدم في هذا العصر ؟!! مسترشدين في ذلك بالنصوص الشرعية !!

 أولا: جانب اجتماعاته التي يعقدها مع جنده من الجن بغرض التخطيط الإبليسي لإضلال البشرية !!
أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن اجتماع إبليس مع جنده، فقال: “إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا، فيقول إبليس، لا والله ما صنعت شيئا، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت” !! [رواه مسلم (٦٧)]

إذن هناك اجتماعات يعقدها إبليس مع جنده منذ الأزل !! ولأمر خطير للغاية .. هدم الأسرة !!

واختياره لهدم الأسرة له دلالاته !! منها أنه يعكس خطورة هدفه؛ الذي سطره القرآن الكريم: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص : ٨٢]، وقال “وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم” كما بين المصطفى صلى الله عليه وسلم .. حسنه الألباني [السلسلة الصحيحة (١٠٤)] .. فهدم الأُسر كفيل بإغواء الناس أجمعين!!

والدلالة الثانية لاختياره لهدم الأسرة هو أن الرجيم يستخدم أداة التحليل ليعرف نقاط ضعف الإنسان [شهوة وحب للمال وعجلة وبخل وطمع وجزع ويأس وغيرها]، وليعرف نقاط قوته [من إيمان وعبادة وأخلاق فاضلة وغيرها] !! بل لم يكتف بتحليل نقاط الضعف والقوة لدى الإنسان !! حتى انتقل إلى تحليل بيئة الإنسان ليعرف نقاط ضعفها [أماكن الرذيلة ومعازف الشياطين وصحبة السوء والمواقع الإباحية وغيرها]، وعرف أن قوة بيئة الإنسان تكمن في [التمسك بالجماعة والمساجد والأسرة المتماسكة ومراكز العلم والصحبة الصالحة وغيرها] !!

ومن ثم وظف نتائج تحليله في رسم خططه وبرامجه، مقوياً لنقاط الضعف كحب الخلود قال تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [طه : ١٢٠]، وموهناً لنقاط القوة كما أوهن دور أحد المساجد، فجعله مسجد ضرار، وكما أوهن دور الأسرة، وخاصة في هذا العصر -وإن المسلم ليتعجب من ارتفاع نسبة الطلاق حتى في المجتمعات المسلمة- هذه الخطط وآليات العمل؛ فصلها الله لنا في القرآن الكريم، وفصلها رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وأجملها الله في قوله سبحانه: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف : ١٧] ..

فكيف عساها تكون اجتماعاته في هذا العصر، خاصة مع أعداد البشرية المتزايدة ؟!! لابد أنها مُعدة إعدادا لا مثيل له من الاتقان!! فالتقارير المطلوبة للموضوعات المطروحة للنقاش شاملة، بحيث تغطي القارات كلها !! منها تقرير مفصل عن أنواع الفساد الذي بلغته البشرية حتى تاريخ الاجتماع، وأي هذه الأنواع من الفساد أشد فتكاً، وأيها الهزيل الذي يجب استبداله !! وتقرير آخر عن أسماء المرشحين من البشر للإيحاء لهم عن طريق الوسوسة أو مباشرة؛ بالتشكل على صورة إنسان، كما مر معنا في الحلقة السادسة من هذه السلسلة .. كذلك فإن نتائج هذه الاجتماعات لابد وأن تتمخض عن توصيات خطيرة، هي أساس كل التوصيات الشريرة التي نسمعها من أوليائه الذين أوحى بها إليهم !! كأن يكون من توصيات هذه الاجتماعات الشيطانية تشريعات جديدة للبشرية تزيدهم خبالاً !! أو لم نسمع قول الله تعالى عن الشيطان أنه يأمر وينهى، ليشرع للبشرية ما يفسدها ؟؟!! قال تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء : ١١٩] ..

أو يُزين لهم أن يخترعوا وسائل حديثة، من شأنها أن تدمر البشرية في تفكيرها وسلوكها إذا ما استُخدمت في سبيل الشيطان وإنفاذ مكره !!

أو يوحي لأوليائه بشن حرب شاملة على الإسلام والمسلمين، كما حصل ويحصل في جميع العصور !!
 
ثانيا: إدارته التي يدير بها عملياته التشغيلية:
بعد الاجتماعات والتخطيط؛ يأتي دور التنفيذ، والتي أقل ما توصف به، أنها إدارة فائقة السرعة في التنفيذ، خاصة مع علمنا بما مكن الله به الجن من السرعة والقوة. قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل : ٣٩]”، فهل نتصور أن التوصيات التي تتمخض عن اجتماعات إبليس وجنده لن تصل إلى العاملين لديه؛ في مدن وقرى وهِجر القارات المختلفة، أو أنها ستصل ولكن متأخرة، كما هو الحال في خدمات الاتصالات البشرية، التي يستخدمها البشر لتبليغ توصيات اجتماعاتهم لمن يعنيه الأمر من العاملين !! كلا، إنهم سريعون وأقوياء في نفس الوقت، فأحدهم كاد أن يحمل قصر بلقيس بسرعة فائقة، وبناء على هذه السرعة وهذه القوة؛ لنا أن نتصور خطورة وسرعة التنفيذ لما يوصي به إبليس الرجيم، وهذا ما يفسر لنا تسارع أحداث الشر والفساد في عالم اليوم، لدرجة صعُب على الإنسان متابعة القليل منها، فكيف بالتصدي لها؛ بدون التصدي أولاً للشيطان الرجيم، وِفق المنهج الرباني الحكيم ؟! ..
 
إن إبليس يكيد للبشرية منذ آلاف السنين وإلى يوم يبعثون؛ يوم الوقت المعلوم، فتتكدس لديه خبرات الإغواء وسُبُل الضلال وطرق الفجور والفساد، وهذا ما يراه الجميع في هذا العصر، عصر فساد الزمان، إبداعات، لكن في أبواب الفساد، تتسم بالشمولية، حتى اجتمعت ضروب الفساد في البلد الواحد، مما كان مفرقاً في غابر الزمان على جمع من البلدان !!
ولا سبيل إلى دحر الرجيم وهزيمته عمليا -بعد أن عرضت لما وفق الله إليه من جانب الوعي المطلوب تجاهه- لا سبيل إلى دحره عمليا إلا بمنهج من الله تعالى العزيز الحكيم !! وهذا ما سأشرع -مستعينا بالله- بكتابته في الحلقة القادمة، إن شاء الله تعالى ..

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الخميس ٦-٦-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي