المختصر المفيد – ٦٢

المختصر المفيد (٦٢)

الحلقة السابعة: في هذه الحلقة والتي بعدها – بعون الله تعالى وتوفيقه – سأستعرض المواجهة الجادة والعداوة المطلوبة للشيطان الرجيم في جانبها التوعوي، خاصة في هذا العصر !!

كل ما مر معنا في الحلقات السابقة، إنما هو أساس من العلم الشرعي، وجّه الله تعالى، ووجّه رسوله صلى الله عليه وسلم جيل الصحابة رضوان الله عليهم إليه، لمعرفة هذا العدو الأكبر-الشيطان الرجيم- !! فأثمرت تلك المعرفة في نفوسهم، حتى أضحى الشيطان يخاف ويفرق من بعضهم !! كما بين ذلك صلى الله عليه وسلم لعمر الفاروق رضي الله عنه فقال: “إِيهٍ ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلا سَلَكَ غَيْرَ فَجِّكَ‪ ” …‬ !! [متفق عليه] ..

ولكننا نعيش في عصر قد سخر الشيطان الرجيم جيشا جرارا من المؤسسات الإعلامية الفعّالة والمؤثرة، التي لا سابق لها ولا مثيل في تاريخ البشرية كله !! أخذت تروج لشرور زينها الرجيم لأوليائه من شياطين الإنس، فأبدعوا في إخراجها في أرض الواقع كيانات إمبراطورية قائمة تنفث سمومها في الناس –كهوليوود وغيرها من إمبراطوريات الفساد والإفساد- مع إطباق عالمي بتجاهل دور الشيطان في تخبط البشرية والخبال والضياع والدمار الذي مسها !! قال تعالى عن دور الشيطان في أحد مجالات الدمار التي مسها: اقتصاد العالم: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [سورة البقرة: ٢٧٥]!!

الكثير من أهل الخير والصلاح لا يكل ولا يمل من فضح أعداء الإسلام من البشر، سواء كانوا من غير المسلمين أو المنافقين –وهذا ضروري ومطلوب- لكنه يغفل أو يجهل أن ذلك الفضح لأعداء الإسلام من البشر لا يجدي ولا ينفع مع ترك رأس الشر –الشيطان الرجيم- بمنأى عن هذا الفضح والمقاومة !! .. وأسوق هنا ما رواه ابن اسحاق عن ابن عباس رضي الله عنه بما يشير إلى مستوى الوعي الذي وصل إليه الصحابة عن عدو البشرية الأكبر –الشيطان الرجيم- في توجيهه لجنده من جن وإنس ، وتصويبه أو تخطئته لهم عند التنفيذ، وتقييمه لهم، وعدم تركهم لاجتهاداتهم الشخصية التي لا ترقى لمستوى مكره !! فإن الرجيم إبليس يتصرف كقائد متمرس، حيث لا يفوض القيادة لغيره أو يتنازل عنها !! بل على العكس من ذلك، فهو يمارس التوجيه بنفسه !! روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنه “أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، قال: سمعت ما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح.  قالوا أجل … أجل، ودخل معهم دار الندوة فقال انظروا في شأن هذا الرجل فوالله ليوشكن أن يواتيكم من أمره بأمره، فقال قائل احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير النابغة فإنما هو كأحدهم، فقال عدو الله والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رأيه في محبسه إلى أصحابه فليوشكن أن يثبوا عليكم حتى يأخذوه من أيديكم، ثم يمنعوكم منه، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، فانظروا في غير هذا الرأي، فقال قائل فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إن خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه، فاسترحتم وكان أمره في غيركم ، فقال الشيخ عدو الله، ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه للقلوب بما يستمع من حديث، والله لئن فعلتم ثم اعترض العرب، ليجتمعُن إليه، ثم يسيرون إليكم حتى يخرجوكم من دياركم ويقيل أشرافكم، فقالوا صدق والله، فانظروا رأياً غير هذا، فقال أبو جهل والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى أبصرتموه بعد، ما أرى غيره قالوا وما هو، قال نأخذ من كل قبيلة غلاماً وسطاً شاباً لهذا، ثم يُعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فقال الشيخ عدو الله هذا والله هو الرأي، القول ما قال الفتى ” !!

نعم هذا ما يصنعه إبليس مع العاملين معه من تصحيح للمسار !! حتى حينما يكونوا بشرا !! والشياطين تتشكل في صورة البشر كما ثبت في السيرة في الحديث عن غزوة بدر عندما قال الله تعالى عن الشيطان أنه نكص على عقبيه، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ}[الأنفال : ٤٨]، في تفسير ابن كثير قال، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعثم فقال الشيطان للمشركين: “لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم” فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع يده ثم ولى وشيعته، فقال الرجل يا سراقة أتزعم أنك لنا جار، فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب، وذلك حين رأى الملائكة !!

ولنا بعد ذلك أن نتصور خطورة تشكله بصورة إنسان في زمننا هذا، هو وجُنوده من الجن، ليوجهوا أولياءهم من الكافرين في حرب الإسلام وأهله، إننا مهما حلّق بنا الخيال في الكيفية التي يوجه الشيطان بها أولياءه، فسنظل مقصرين في استيعاب جميتع طُرقه، وذلك لأنه كما قال تعالى: {ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ}[الأعراف : ٢٧]، فلا غرابة أن الشرور تنبعث في هذا العصر كالبركان الثائر، وهي كما وصفها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم “فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافراً ويمسي مؤمنا ويصبح كافراً” !! [رواه مسلم (١١٨)] ..

ولعل من هذه الفتن توجيهه مباشرة أو عن طريق الوسوسة لأولياءه باستخدام المواقع المفسدة فكرياً أو خُلُقياً، لسهولة وصول هذا الفساد للعالم أجمعين !!

 ومن ذلك أيضاً توجيهه لأولياءه أن يضيقوا الخناق على المسلمين في تعلم ضروب التقنية والصناعات المتقدمة، بطرق شيطانية إبليسيه، حتى يبقى المسلمون في حاجتهم أبد الدهر !!

ومن ذلك توجيهه لأصحاب الفكر، من علماء الجامعات،  نظريات تقود المجتمعات إلى الإلحاد، كما وسوس لدارون نظريته الدارونية، ولفرويد نظريته الجنسية، ولدوركايم في نظريته البهيمية، والتي أسماها زوراً نظرية اجتماعية !!

أواصل في المقال القادم -بعون الله تعالى وتوفيقه- المواجهة الجادة والعداوة الصحيحة للشيطان الرجيم في جانبها التوعوي، في عصرنا الحاضر !!

اللهم إنَّا نعوذ بك من الشيطان وشركه ..

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الكرام.
انشر تؤجر .. والدال على الخير كفاعله .. ولا يحتاج خطيب الجمعة أو غيره، للاستئذان مني في طرح ما يراه مناسبا، ممّا وفقني الله لكتابته، في خطبته أو درسه ..
الخميس ٢٢-٥-١٤٣٩ من الهجرة النبوية الشريفة ..
كتبه / محب الخير لنفسه وللمسلمين والمسلمات ..
فؤاد بن علي قاضي